تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٠٥
ورغم انّ خلافة السقيفة كان تستمع لآراء الصحابة، وتتراجع عن مواقفها في كثير من الأحيان، الاّ ان ذلك لا يعني أبداً انّها كانت متقيدة وملتزمة بالتصويت على رأيها دوماً، وأخذ مواقفة جميع الصحابة.
في كثير من الأحيان كانت تستقل برأيها، وتقطع به من دون مشورة.
فحينما حرَّم عمر متعة النساء ومتعة الحج، ومنع الزيادة في المهور، ونسخ سهم المؤلفة قلوبهم، لم يكن قد استشار أحداً.
ومن الخطأ أن نتصوّر انّ الاعتراض على الخليفة كان أمراً ميسوراً، وتتوفر دواعيه لدى كل أو كثير من الصحابة.
قليلون هم الذين يملكون الجرأة في الاعتراض، ويدركون حقيقة ما يجرّ إليه هذا التحريف مهما بدأ بسيطاً.
ومن الخطأ أن نتصوّر انّ الخليفة كان سمح الصدر دوماً بسماع الاعتراض عليه وردّ حكمه.
اخرج مسلم في صحيحه بأربعة طرق عن عبد الرحمن بن أبزي:
" انّ رجلا أتى عمر فقال: انّي أجنبت فلم أجد ماءً؟
فقال عمر: لا تُصلِّ.
فقال عمار: أمّا تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا واقف في سريّة فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تُصلِّ، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصلَّيت، فقال النبي (ص): انّما كان يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك فقال عمر: اتّق الله يا عمّار.
قال: إن شئت لم أُحدِّث به؟
قال عمر: كلاّ والله ولكن نولّيك من ذلك ما تولّيت "[١].