تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٥٨
علي، ولا تعرف الأمة فيه رجلا رسالياً قيادياً تستطيع أن تسلّم إليه الزمام.
وحينما تعيش الأمة نظام الشورى يكون الطريق الطبيعي للوصول إلى الحكم هو تحصيل قناعة الأمة وثقتها من خلال الحضور عندها باستمرار، والوقوع في نظرها بمستوى المسؤولية.
وعلي (ع) يطلب الحكم، ويطلبه له كلّ أنصاره والسائرين في خطّه.
لأنّ موقع القيادة هو أفضل أداة لتحقيق الأهداف، والتوفّر لإنجازها، ولأنّ موقع القيادة هو أخطر موقع في مصير الأمة ومصير رسالتها.
والرسول (ص) حينما استخلف علياً كان يقصد أن يضع بيده هذه الأداة، والاّ فإنّ علياً موجود، وهو سيبذل طاقاته وامكانياته، ويقدّمها للأمة وللرسالة، بلا حاجة إلى استخلاف! بينما كان الرسول (ص) حريصاً، بل كان الوحي حريصاً على أن توضع القيادة بيد الإمام، وعلى أن يكون هو المشرف والموجّه والمخطط للتجربة الإسلامية بعد النبي (ص).
وكان الامام يحسب لهذا الهدف حسابه، ومن هنا فلا يجوز له أن يعتزل، وينقطع عن الأمة، لأن ذاك سيذهب بالحكم إلى غيره، ويخسر الإمام أفضل أداة لتطبيق الإسلام، وتنجيز طموحاته وأهدافه، في تربية الانسانية الخيّرة.
ومن هنا فهذا الطريق هو طريق مسدود أيضاً، بحساب الأهداف ومصالح الرسالة التي يفكّر فيها الخطّ الشيعي، ويحمل همومها.
كما انّ القوى الحاكمة سوف لا ترتاح لهذا الموقف، وهي ترى فيه تحدياً لسلطانها، ومحفزاً للخروج عليها باستمرار. وبالتالي فهي لا تترك الإمام، وانّها لتأخذ منه البيعة كيفما كان.
ولقد رأينا كيف اضطربت القوى الحاكمة من الإعتزال المؤقت للإمام، وما استقرّ لها قرار حتّى أخذت منه البيعة مرغماً، وحتّى اضطرته لأن يشارك جماعتها.