تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٣٢
شيء بالطبع، لأن تحفظات الخلافة الحاكمة سياسياً كانت تنعكس على هذا الجانب بالذات، وبالتالي فإنّ علياً مدعو للتوفيق بين مهمّته وبين تحفظات الخلافة قدر الإمكان.
كان عليه أن يؤدي مهمّته دون أن يثير الشكوك، ودون أن يدع الخلافة الحاكمة تتحفز للحذر منه.
وانّه في ظل وضع سياسي من هذا القبيل لا يستطيع أن يرتبط بالأمة مباشرة ضمن حلقات تدريس كبيرة أو صغيرة، كما لا يستطيع أن يدعو الأمة لنفسه، ولترجع إليه في مسائلها العلمية، فمن المتوقع جدّاً أن لا تكون هذه النشاطات مسموحة له، طالما تخلق له في الأمة مكانة اجتماعية تحذر منها الخلافة الحاكمة.
كان عليه أن يتحرك بكل هدوء، وينتظر فرصة اضطرار الخلافة الحاكمة للرجوع إليه، دون أن يقدّم نفسه أولا بأول.
وانّ له تجربة سابقة مع الخلافة الحاكمة عرّفته كم يجب أن يتخذ من الهدوء في هذا المجال، والاّ فإنّه سيحرم الأمة من طاقاته العلمية.
ذلك يوم جمع القرآن، وقدّمه بين يدي الخليفة الأوّل فرفضه. انّ هذه التجربة ذات معنى كبير وواضح.
ومن هنا وجدنا علياً حتّى في عهد الخليفة الثاني، حيث برز نجمه، فكان مرجعاً للمسلمين وللخليفة علناً، حتّى في هذا العهد كان كثيراً ما يجتنب الابتداء بالقول، وينتظر أن يسأله الخليفة فيجيب.
وعلى الرغم من صعوبة هذا الوضع فقد استطاع علي أن يكون مرجعاً للخليفة الأوّل وللثاني ولعموم المسلمين.
كان علي هو الذي يجيب علماء اليهود والنصارى الذين وفدوا بلاد الإسلام لاختبار الخليفة، وزعزعة ثقة المسلمين برسالتهم.