تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ٤٧
الجديد.
انّ الشعور من الأعماق، بفساد واقع ما قبل الرسالة، وضرورة التحوّل عنه، إلى قيم جديدة ومفاهيم جديدة، وطريقة ا جتماع جديدة، هذا الشعور هو الذي لا يترك لسلمان قراراً، ويدعوه لأن يغامر ويجازف بحياته وحريته. فهو رسالي قبل الرسالة، وهو عميق، وداعي، ومتبصر، قبل أن يسمع دعوة النبي (ص)، وحتّى قبل أن يبعث رسول الله (ص).
حقاً كثيرهم الذين قاسوا مرارات الوضع اللاانساني وعانوا مآسي القيم والمفاهيم المنخفضة المريضة لكن من كان منهم يملك الارادة، والتصميم؟
من كان منهم يتسع في تصوراته وطموحاته ويتجاوز الطوق الجاهلي؟
اكثر الذين شعروا بالآلام، والمآسي، كانوا كالنعامة، تدفن رأسها في التراب حين تشعر بالخطر، وهؤلاء كانوا يشعرون بالنقمة لأنهم مظلومون، ومضطهدون، ومسحوقون شخصياً، ولا يتسع اُفق تفكيرهم لأكثر من هذا، لتفنيد الأسس المفهوميّة للوضع القائم، ولا ينهض لهم طموح في الخروج عليه.
أما الأبطال التاريخيون فهم الذين يشعرون بالألم، ويطمحون لتغيير أساسي، هم يشعرون بالألم وربما ليسوا مألومين شخصياً، وإنّما يحملون ألم الطبقات المضطهدة والمنكوبة، وهم يشعرون بالألم ويتحملون المآسي، لكن بلا انهيار، وبلا تنازل، وإنّما تصميم على الانقضاض والتغيير والنسف للمبادئ المنحرفة كلها.
وهكذا فان سلمان ـ على ما يحدّثنا عنه المؤرخون ـ لم يكن بوضع تعيس عائلياً بل كان يعيش في عائلة مرفّهة، لكنه كان بطلا تأريخياً، كان يحمل في صدره هموم المظلومين المحرومين، هموم الواقع الأسود الأسود، انظروا لقد تنقل بين فارس ودمشق والموصل ونصيين وعمورية، ثم مكّة حيث التقى برسول الله (ص) وأسلم على يده. أليس هو رسالي قبل الرسالة؟