تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٤٩
فالحسين يوم ثار كان التشيع له وجوده وقواعده العريضة، ورغم انّ الحسين قد قتل، الاّ انّ التشيع ظلّ حيّاً بل ازداد حياةً وتصلباً، لماذا؟ لأنّ القواعد الشيعية كانت موجودة ومبثوثة، ولأنّه كان هناك من يشرح للناس خطّ الحسين، وثورة الحسين، ويفضح كلّ محاولات التشويه والتمويه لثورته وحركته وخطّه.
لكن من كان يقوم بهذا الدور لو أنّ علياً وأنصاره ومؤيديه قدّموا أنفسهم مرّة واحدة وبسرعة وقبل أن يقولوا للناس أي شيء، وقبل أن يعرف الناس عنهم أي شيء، سوى طلب الحكم، والتوصل للسلطة؟!
بلا شك ستضيع هذه الحركة، وتنتهي. كما انتهى سعد بن عبادة مثلا، ثم لا يعرف الناس عنها الاّ انّها حركة وصولية غير واعية، ولا مخلصة للإسلام. الذين يرديون من علي أن ينهض في وضع من هذا القبيل يقعون في مغالطة واضحة، فالجهاد واجب والأصحار بالحق واجب، لكن حيث يكون ذلك خطوة نجاح، أمّا إذا كان خطوة موت، وطريق النهاية، فانّ الصدق هنا مع المبدأ، والإخلاص له، يطلب السكوت والتريث.
ألم يكن محمد (ص) على الحقّ؟ وألم يكن صادقاً مع مبدئه ورسالته؟ ومع ذلك فقد قبل صلح الحديبية، ولم يصغ لمن قال له:
ألسنا على الحق؟ إذن لم نعط الدنية في ديننا؟
انّه يعرف الحقّ، ويعرف انّه على الحق، ولكنه صالح لأنّه وجد الصلح أعود لرسالته، ولأمّته الفتية الجديدة، وانّهم لفاتحون على أي حال اليوم أو في الغد. وفي ضوء هذا الفهم ينبغي أن يوضع السؤال بهذه الصيغة:
كم هو احتمال النجاح في نهضة الامام لو أراد أن ينهض؟
وهل صحيح انّ نهضته تعني الانتحار؟
أمّا في نظر الإمام نفسه فالأمر كذلك، والنصوص التي بأيدينا تاريخياً تؤكد انّه (ع) كان لا يتوقع لثورته النجاح، أي مقدار من النجاح.