تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٤٧
إليه القرآن وحثّ عليه، إنّما هو الانتحار المجنون الذي حرَّمته الشريعة ونهت عنه ترى ماذا كان يحقق للرسالة لو انّه آثر الموت في هذا السبيل؟
أولا: سيحرم الأمة من وجوده وعطائه، ثم لا تملك من تلجأ إليه عند المعضلات، ومن يعزز ثقتها برسالها، ويعمق مذاهبها، ويسّد كل ثغراتها، كما درسناه في المهمات التي توفّر لها الإمام علي (ع).
ثانياً: وحين يضحي علي بنفسه يكون قد ضحى بالخط الشيعي كلّه.
الخط الذي أريد له أن يحمي وجود الإسلام، كما يحمي حقائق الإسلام من محاولات التشويه والتحريف والتفريغ.
ولقد رأينا وسوف نرى انّ تاريخ التشيع كان دفاعاً مرّاً مستميتاً عن الرسالة، الرسالة النقيّة النظيفة كما نزل بها القرآن، وحدّث بها رسول الله (ص).
ويومذاك لم يكن الخط الشيعي سوى أطروحة لم تأخذ طريقها إلى الوجود الخارجي بعد، وكان علي هو المسؤول عن بناء قواعدها، وترسيخ خطها، وتعميق مفاهيمها كما رأينا في حديث سابق.
أمّا إذا آثر الموت السريع الارتجالي، وفي غمرة ساعات بل لحظات ضحى بوجوده، وبكل الطليعة الواعية المخلصة للإسلام حقّ الإخلاص، عمار وأبوذر وسلمان والمقداد. فمن يبقى للرسالة؟ ومن يبقى للأمة الفتيَّة التي تواجه مخاطر الموت؟ ومن سيعرف موقع التشيع من الرسالة، ومدى صدقه في التعبير عنها.
إنّ هؤلاء يمثلون اللبنة الأولى للتشيع، وحينما ينتهي هؤلاء قبل أن يخلقوا من يسير على نفس الخط، ويحمل نفس الدرجة من الوعي والإخلاص والإلتزام. فذلك يعني موت الخط كاملا، ويبقى المجال مفتوحاً أمام سائر الخطوط لترسم الإسلام للأجيال الآتية حسب طريقتها، وحسب درجة إخلاصها ووعيها للرسالة.