تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٤٦
وأمّا إن ينفتح للأمة، ويتصادق مع الحكم القائم، محتفظاً في الوقت ذاته بخطه، وساعياً إلى دعمه، وتصعيده، وتحصينه ليبقى حياً نقياً معبراً عن جوهر الإسلام، يوم تنحرف سائر الخطوط، وتضيع حقائق الرسالة.
الطريق الأول: المنازلة
ولقد بدا للكثير من الكتّاب انّ الامام ـ على تقدير نص رسول الله، واستخلافه ايّاه ـ كان عليه أن يقاتل، وان يحمل السلاح، وان ينهض ولو وحده. ولو كلّفه ذلك الموت، مادام يؤمن بحقّه في الحكم بوصية من الرسول (ص) وماذا ينتظر الإمام؟
ولماذا يسكت؟
أليس صدقه مع رأيه، وصدقه مع رسالته يدعوه لأنّ يقدِّم نفسه وروحه حرصاً على وصيّة الرسول، وتحقيقاً لأطروحته في الحكم بعده.
أمّا وقد سكت الإمام فذاك دليل على انّه لم يكن معتقداً بوصية الرسول، ولا ذاهباً مذهب الشيعة فيه، " ولو قد علم انّ النبي قد أوصى له لجاهد في إنفاذ أمر النبي ولآثر الموت على خلاف هذا الأمر "[١].
كثيرون يذهبون إلى هذا الرأي، ثم يحتجون بموقف الامام على الشعة، من حيث انّه لو كان منصوصاً عليه لكان جديراً به بل مسؤولا عن الجهاد.
وأحسب انّ هذا الرأي أريد به هذه الغاية! أريد به مخاصمة الشيعة فيما يدّعون من النص، والاّ فان كل أحد يعرف انّ الجهاد إذا كان يعني الانتحار، وإذا كان يضيّع على الرسالة اكثر مما يجلب لها، وإذا كان لا يحقق صغيراً ولا كبيراً من أهداف الرسالة ولا يسدّ حاجة من حاجاتها، فإن مثل هذا الجهاد ليس هو الجهاد الذي دعا
[١] الشيخان، طه حسين: ٢٥.