تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٤٤
وفي ظلّ وضع من هذا القبيل، وشجار عميق بين المهاجرين أنفسهم، سيبقى صف الأنصار متماسكاً، بينما يشتغل المهاجرون بأنفسهم.
والظن بأنّ الأنصار سينحازون إلى جبهة علي ليس مصيباً. فان ميول الأنصار في علي لم تمنعهم أن يبادروا إلى عقد مؤتمر السقيفة ومحاولة جرّ الحكم اليهم. ولا دليل على انّهم كانوا يستجيبون لعلي، ويسمعون دعوته وهم يجدون كفتهم راجحة.
وليس بعيداً انّ خصوم علي من قريش سيميلون إلى الأنصار بغاية دحر علي، وربما يكون لهم مع الأنصار نصيب أمّا مع علي فلا شيء لهم.
ونخرج من هذا الحساب بأن علياً لم يكن عالماً باجتماع السقيفة، وانّه لو خفَّ إليه لا دليل على فوزه فيه.
يبقى هذا السؤال:
لماذا لم يبادر علي إلى أخذ البيعة من عمّه العباس وسائر الهاشميين، وبقية أنصاره ومؤيديه، وحينذاك لا يجد من يريد الخلاف سبيلا للخلاف؟
ولقد كانت تلك هي وجهة نظر العباس يوم قال لعلي:
" يا ابن أخي هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان ".
وأنا اعتقد انّ الاجابة عن هذا السؤال تدعونا إلى طرح سؤال آخر، وهو ماذا سيقال في هذه البيعة؟ وكيف ستواجه؟ وهل صحيح انّها تقطع الطريق على المعارضين؟
لقد كان ميسوراً للمعارضة أن تخرج على هذه البيعة، بحجّة أنّها لم تكن بمشورة من المسلمين جميعاً، أمّا بنو هاشم فهم يجرّون النار إلى قرصهم.
ولعله إلى هذا البُعد كان يشير علي، حين رفض الإستجابة لطلب العباس قائلا:
" لا أحبّ أن يكون هذا الأمر من وراء رتاج ".