تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٠٤
انّ القصور العلمي في خلافة السقيفة جعل الشريعة كلّها في موقع الخطر، خطر التحريف، والتمييع.
انّه منذ الآن أصبح بوسع الخليفة الحاكم أن يقول كلّ شيء، وأن يصنع كل شيء، ولا مجال للاعتراض.
لقد اعفى أبوبكر خالداً من الحدّ حينما قتل مالك بن نويرة، وكان أبوبكر يعلل ذلك قائلا "اجتهد فأخطأ" و " ما كنت لأُشيم سيفاً سلّه الله " أمّا عثمان فقد أسقط الحدود عمّن يشاء وكيف شاء. اسقط الحدود عن طلقاء بني امية، وآل أبي معيط، وهو في كل ذلك لا يرى انّه قد جاوز فعل أبي بكر.
وجاء عمر فحرم متعة النساء، ومتعة الحج، ومنع عن زيادة المهور، ونسخ سهم المؤلفة قلوبهم وغير ذلك. أمّا عثمان فقد جاوز ذلك كلّه، فاذا هو يصلّي قصراً أو تماماً كيف شاء. وإذا هو يتلاعب بأموال المسلمين لا لصالح الإسلام، إنما لصالح العشيرة الأموية، وانّه ليقول بكل جرأة: " إنّما أنت خازن لنا " مخاطباً ابن مسعود خازن بيت مال المسلمين.
المؤرخون يذكرون انّ الحكم الإسلامي انتقل من الخلافة إلى الملك، بعد ثلاثين عاماً من وفاة الرسول (ص). وهم يقصدون انّ الحاكم أصبح يسوس الناس ويحكمهم لا على أساس من الدين، انّما حسب مصالحه الشخصية.
لكنهم لا يسألون أنفسهم عن سبب هذا الانتقال السريع، فكأنهم يرونه حتماً من الحتم وقدراً من القدر.
أمّا الحقيقة فهي انّ خلافة السقيفة هي التي مهدت ـ ربّما لا عن قصد ـ لذلك كل تمهيد.
فحكم معاوية لم يكن الاّ تسلسلا طبيعياً لحكم عثمان، ومعاوية لم يحدث شيئاً جديداً من حيث الأساس لم يكن قد أحدثه عثمان، إنما الفارق في الدرجة لا أكثر.
وإذا انتقلنا إلى عثمان فإنّا نسمعه يقول:
" ما خالفت أبابكر وعمر ".