تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٠٣
والحقيقة انّه لا يوجد أي شاهد تاريخي على انّه كان لأبي بكر وعمر ـ فضلا عن عثمان ـ ملازمة علمية لرسول الله (ص)، ولا نملك رواية واحدة صحيحة حتّى على مقاييس أهل السنّة أنفسهم في إثبات الترابط العلمي بينهم وبين الرسول (ص). بينما صحّ من طرق أهل السنّة ثبوت ذلك لعلي وسلمان وأبي ذر مثلا. وكما قلت حرفياً: لا يعيب احداً من الصحابة أن لا يكون قد استوعب الرسالة كلها، أو أن يكون على حظّ قليل من العلم نسبياً.
فلا ينقص الشيخين (رض) انّهم يجهلون كثيراً من السنّة والقرآن، فربما شغلتهم مشاغلهم عن ذلك. إنّما الشيء الذي يلاحظ هو ما إذا كانت هذه الدرجة من الاستيعاب كافية لتسلُّم منصب القيادة أم لا؟
وهنا يعلم كل أحد أن خطورة موقع القيادة في نفسه، وخطورته بلحاظ طبيعة المرحلة التي تمرّ بها الرسالة، تتطلّب أكبر قدر ممكن من احتواء الرسالة وفهمها، وهذا الاقتناع هو الذي دعا كثيراً من أهل السنة إلى القول جدلا بأن أبي بكر كان أعلم الصحابة.
انّ مصير الأمة والرسالة لا يجوز في عرف الرساليين وفي عرف كل الناس أن يربط بقيادة لا تستوعب تفاصيل الرسالة، ولا تحيط بها علماً.
انّ مشاكل كثيرة تنجم عن هذا التصوّر العلمي.
فمن ناحية دعا هذا القصور إلى فتح باب الرأي والاستحسان، الذي إتّسع بالتدريج، فشمل طرح احكام الشريعة وتجاوزها باسم الصالح العام، ثمّ اتّسع ليشمل طرح احكام الشريعة لمجرد الاستذواق والاستحسان.
ودائماً تكون البداية صغيرة، لكنّها تتضخم وتنمو على التدريج وهكذا حدث. فحينما التزمت خلافة السقيفة بفتح باب الرأي، أو الخروج على الشريعة من أجل الصالح العام والاجتهاد في مقابل النص، ربّما لم تكن تدرك ما ستجرّ إليه هذه البداية.