الطبقات الكبرى - ط العلميه - ابن سعد كاتب الواقدي - الصفحة ٩٥ - مقتل عبد الله بن الزبير
(١) فيها كأنها جيوب النساء [١]. و يرمى بالمنجنيق من أبي قبيس فتمر الحجارة و ابن الزبير يصلي عند المقام كأنه شجرة قائمة ما ينثني. تهوى الحجارة ململمة ملس كأنها خرطت [٢] و ما يصيبه منها شيء و لا يتنحى عنها و لا يفزع لها.
و حشر الحجاج أهل الشام يوما و خطبهم. و أمرهم بالطاعة و أن يرى أثرهم اليوم. فإن الأمر قد اقترب. فأقبلوا و لهم زجل [٣] و فرح. و سمعت بذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير. فقالت لعبد الله- مولاها-:
اذهب فانظر ما فعل الناس. إن هذا اليوم يوم عصيب. اللهم أمضي ابني على نيته. فذهب عبد الله ثم رجع فقال: رأيت أهل الشام قد أخذوا بأبواب المسجد. و هم من الأبواب إلى الحجون. فخرج أمير المؤمنين يخطر [٤] بسيفه و هو و يقول:
إني إذا أعرف يومي أصبر* * * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر
فدفعهم دفعة تراكموا منها فوقعوا على وجوههم. و أكثر فيهم القتل. ثم رجع إلى موضعه. قالت: من رأيت معه؟ قال: معه أهل بيته و نفير قليل.
قالت أمه: خذلوه و أحبوا الحياة. و لم ينظروا لدينهم و لا لأحسابهم. ثم قامت تصلي و تدعو و تقول: اللهم إن عبد الله بن الزبير كان معظما لحرمتك. كريه إليه أن تعصى. و قد جاهد فيك أعداءك. و بذل مهجة نفسه لرجاء ثوابك.
اللهم فلا تخيبه. اللهم ارحم ذلك السجود و النحيب و الظمأ في تلك الهواجر.
اللهم لا أقوله تزكية. و لكن الذي أعلم. و أنت أعلم به. اللهم و كان برا بالوالدين.
[١] كناية عن الخروق التي يحدثها المنجنيق في جدار الكعبة. و قد تصحفت في تاريخ ابن عساكر (ص: ٤٨٠) إلى: جنوب الشتاء.
[٢] أي كأنها أخرجت من المخرطة.
[٣] زجل: الزجل الجلبة و رفع الصوت (اللسان: ١١/ ٣٠٢).
[٤] يخطر: بكسر الطاء- يهز سيفه معجبا به. و يطلق على من يتمايل في مشيته و يمشي مشية المعجب و سيفه في يده (اللسان: ٤/ ٢٥٠).