الطبقات الكبرى - ط العلميه - ابن سعد كاتب الواقدي - الصفحة ٦٥ - رجع الحديث إلى الأول
(١) بهم. حتى يمضي عنهم إلى حيث أرادوا. و أمر يزيد. مسلم بن عقبة بذلك.
و قال: إن حدث بك حدث. فحصين بن نمير على الناس. فورد مسلم بن عقبة المدينة. فمنعوه أن يدخلها. و نصبوا له الحرب. و نالوا من يزيد. فأوقع بهم و أنهبها ثلاثا [١]. ثم خرج يريد ابن الزبير. و قال: اللهم إنه لم يكن قوم
[١] إباحة المدينة النبوية من قبل الجيش الذي بعثه يزيد بن معاوية سنة ثلاث و ستين.
لإخضاعهم بعد أن خلعوا بيعته. و طردوا أميره على المدينة. مما تباينت فيه أقوال المؤرخين. قديما. و حديثا. و دخل بعضه التزيد. و قد ساق الطبري في تاريخه: ٥/ ٤٨٤- ٤٩٥ خبر الحرة. من طريق هشام الكلبي. عن أبي مخنف. و من طريق عوانة بن الحكم. و أورد بعضه من طريق الواقدي. بعد ورد في طريق هشام الكلبي. و عوانة. الأمر لقائد الجيش مسلم بن عقبة بإباحة المدينة ثلاثة أيام. إن لم يستجيبوا للطاعة. و نصبوا الحرب. و قد حددت الرواية نوع الإباحة و المقصود بها، ... فإذا ظهرت عليهم. فأبحها ثلاثا. فما فيها من مال. أورقة (أي دراهم) أو سلاح. أو طعام. فهو للجند. فإذا مضت الثلاث.
فاكفف عن الناس، الطبري: ٥/ ٤٨٤ و قال في: ٥/ ٤٩١، ... و أباح مسلم المدينة ثلاثا. يقتلون الناس. و يأخذون الأموال. فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة،.
كما أورد في: ٥/ ٤٩٥ رواية أوثق مما روى أبو مخنف و أصحابه و بسياق آخر.
و لم يصرح فيها بالإباحة. و لكنها مفهومة من السياق. و الرواية مختصرة. و هذه الرواية هي التي ذكرها خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ٢٣٨)، و هي من طريق وهب بن جرير. عن جويرية بن أسماء. عن أشياخ من أهل المدينة.
و الإسناد صحيح إلى جويرية بن أسماء. و لبعض ما تضمنته هذه الرواية من إقحام الجيش الشامي من منازل بني حارثة. شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه يعقوب بن سفيان. في تاريخه بإسناد صحيح قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة «و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها» [الأحزاب، آية ١٤] يعني إدخال بني حارثة أهل الشام. على أهل المدينة في وقعة الحرة (انظر: فتح الباري: ١٣/ ٧١).
و مما يدل على وقوع الإباحة ما رواه ابن سعد في الطبقات: ٧/ ق ٢٨ عن يحيى بن عباد قال: حدثنا أبو عقيل بشير بن عقبة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: لما استبيحت المدينة يعني يوم الحرة دخل أبو سعيد الخدري غارا. فدخل عليه رجل من أهل الشام فقال: اخرج. فقال: لا أخرج. و إن تدخل علي أقتلك. فدخل عليه فوضع أبو سعيد السيف و قال: «إني أريد أن تبوء بإثمي و إثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزاء الظالمين» ... إلخ. و هذا إسناد حسن. و قد حكى وقوع إباحة المدينة أيام الحرة مجموعة من العلماء المحققين من أهل الاستقراء و التتبع مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ٤/ ٥٧٥.
و الحافظ ابن كثير في البداية و النهاية: ٨/ ٢٢٠ و الحافظ ابن حجر في مواطن كثيرة من كتبه انظر منها فتح الباري: ١٣/ ٧٠. غير أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه الحادثة قد بولغ في وصفها و في عدد القتلى الذين قتلوا فيها. و أن جنود الجيش وقعوا على النساء. و افتضوا الأبكار. فولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج. و أجهز على الجرحى. و قتل المدبر. و جالت الخيل في مسجد رسول الله(ص) و بالت و راثت بين القبر و المنبر. و انقطعت الصلاة في المسجد أربعين يوما. و خلت المدينة من أهلها. و تركت الثمار للعوافي. إلى غير ذلك فهذا أمر لا يحتمل وقوعه. و لا تقبله طبيعة المجتمع. و لا سنن العادة. لا سيما مع قرب العهد بالرسالة. و لم ينقل أن مثل هذا الفعل من انتهاك الأعراض. و الإسراف في القتل. وقع مع الكفار. فكيف يتصور وقوعه مع المسلمين. و في دار النبوة و الهجرة؟! و الحادثة لا شك أنها كبيرة و مؤسفة و خطأ جسيم. و لذلك أجمع السلف على تسمية مسلم بن عقبة مسرفا. و لكن هذا لا يجعلنا ننفي أصل الحادثة و هو إباحة المدينة بعد توارد الأدلة على ثبوتها. كما فعل بعض المستشرقين. و الباحثين المعاصرين. الذين جهلوا السلف الماضين. و نسبوهم إلى ضعف التحقيق العلمي. مع أنهم هم لم يبنوا حكمهم هذا على التتبع و الاستقراء. و دراسة كافة النصوص الواردة في الموضوع. و إلا لتبين لهم الحق و الواقع.