مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٦ - ٦ سورة الأنعام
ولكن حتى لا تبعث سعة الرحمة الإلهية هذه على التمادي في غيّهم، وتتسبّب في تزايد جرأتهم وطغيانهم، وحتى يكفّوا عن العناد واللجاج هدّدهم في آخر جملة من الآية بالعقوبة الحتمية.
٦/ ١٥٠- ١٤٨ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لَا آبَاؤُنَا وَ لَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَ لَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) عقيب الكلام المتقدم عن المشركين في الآيات السابقة، أشار في هذه الآيات إلى طائفة من استدلالاتهم الواهية، مع ذكر الأجوبة عنها. فيقول أوّلًا: إنّ المشركين سيقولون في معرض الإجابة عن اعتراضاتك عليهم في مجال الإشراك باللَّه، وتحريم الأطعمة الحلال: إنّ اللَّه لو أراد أن لا نكون مشركين، وأن لا يكون آباؤنا وثنيين، وأن لا نحرّم ما حرّمنا، لفعل:
«سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ».
إنّ المشركين- مثل كثير من العصاة- يريدون التملّص من مسؤولية العصيان تحت ستار الجبر.
إنّهم كانوا يدّعون أنّ سكوت اللَّه على عبادتهم للأصنام وتحريمهم لطائفة من الحيوانات دليل على رضاه، لأنّه إذا لم يكن راضياً بها وجب أن يمنعهم عنها بنحو من الأنحاء.
ولكن القرآن تصدّى لجوابهم وناقشهم بشكل قاطع، فهو يقول أوّلًا: ليس هؤلاء وحدهم يفترون على اللَّه مثل هذه الأكاذيب: «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ» [١]. ولكنهم ذاقوا جزاء افتراءاتهم: «حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا».
فهؤلاء كانوا يكذبون في كلامهم هذا، كما أنّهم يكذّبون الأنبياء، ولو كان سبحانه راضياً
[١] «كذّب»: في اللغة تأتي بمعنيين تكذيب الغير، وكذلك فعل الكذب.