مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤ - ٧ سورة الاعراف
وفي
الآية الثانية
من الآيات المبحوثة هنا يشرح الحوار الذي دار بين الساكنين، وبين الذين تحركوا للنهي عن ارتكاب هذه المخالفة فيقول: «وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا».
فأجابهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر: بأنّنا ننهى عن المنكر لأنّنا نؤدّي واجبنا تجاه اللَّه تعالى، وحتى لا نكون مسؤولين تجاهه، هذا مضافاً إلى أنّنا نأمل أن يؤثر كلامنا في قلوبهم، ويكفوا عن طغيانهم وتعنتهم «قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ».
ويستفاد من الجملة الحاضرة أنّه ربّما يجب بيان الحقائق والوظائف الإلهية حتى مع عدم احتمال التأثير، وذلك عندما يكون عدم بيان الأحكام الإلهية، وعدم إنكار المنكر سبباً لتناسي وتنامي البدع، وحينما يعدّ السكوت دليلًا على الرضا والموافقة. ففي هذه الموارد يجب إظهار الحكم الإلهي في مكان حتى مع عدم تأثيره في العصاة والمذنبين.
ثم إنّ
الآية اللاحقة
تقول: وفي المآل غلبت عبادة الدنيا عليهم، وتناسوا الأمر الإلهي، وفي هذا الوقت نجينا الذين كانوا ينهون عن المنكر، وعاقبنا الظالمين بعقاب أليم بسبب فسقهم وعصيانهم «فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» [١].
ثم يشرح العقوبات هكذا: «فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِينَ» [٢].
وواضح أنّ أمر «كونوا» هنا أمر تكويني مثل: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [٣].
يجب الإلتفات إلى أنّ الممسوخين- حسب الروايات- بقوا على هذه الحالة عدة أيّام ثمّ هلكوا ولم يتولد منهم نسل أبداً.
كيف ارتكبوا هذه المعصية؟ إنّهم في البداية استخدموا ما يسمى بالحيلة الشرعية، وذلك بواسطة حفر أحواض إلى جانب البحر، أو إلقاء الكلاليب والصنارات، ثم لما صُغرت هذه المعصية في نظرهم، جرأهم ذلك على كسر احترام يوم السبت وحرمته، فأخذوا يصيدون السمك في يوم السبت تدريجاً وعلناً، واكتسبوا من هذا الطريق ثروة كبيرة جداً.
[١] «بئيس»: مشتقة من مادة «بأس» يعني الشديد.
[٢] «عتوا»: من مادة «عتّو» على وزن «غلوّ»، بمعنى الإمتناع عن طاعة أمر.
[٣] سورة يس/ ٢٨.