مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦ - ٦ سورة الأنعام
وتحاصره في ليلة ظلماء الأمواج الهائلة والدوامات المائية، فإنّ خوفه من ذلك يكون أضعاف ما لو حدث ذلك بالنهار، في مثل هذه اللحظات ينسى الإنسان كل شيء ولا يعود يتذكّر شيئاً سوى نفسه، والنور الذي يسطع في أعماقه ويجذبه نحو المبدأ قادر على إزالة ما يعتوره من بلاء وضيق، هذه الحالات تفتح نوافذ على عالم التوحيد ومعرفة اللَّه، لذلك يقول في أمثال هذه الحالات: «تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً». وتعقدون- وأنتم في تلك الحالة- عهداً وميثاقاً على أنفسكم، وتقولون: «لَّئِنْ أَنْجنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ».
ثم تأمر الآية النبي صلى الله عليه و آله أن يخبرهم أنّ اللَّه سوف ينجيهم من هذه ومن غيرها من الأخطار، وقد فعل ذلك من قبل مراراً، ولكنهم بعد زوال الخطر عنهم يعودون إلى طريق الشرك والكفر: «قُلِ اللَّهُ يُنَجّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ».
«الكرب»: في الأصل بمعنى حفر الأرض وقلبها، وكذلك تعني العقدة المحكمة الشد في حبل الدلو، ثم أطلقت بعد ذلك على الغم والهم والحزن التي تقلب قلب الإنسان وتثقل عليه كالعقدة.
٦/ ٦٥ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) ألوان العذاب: في هذه الآية تركيز على التهديد بعذاب اللَّه وعقابه، من أجل إكمال طرق التربية والتهذيب، أي أنّ اللَّه وهو أرحم الراحمين وملجأ اللاجئين، قهار منتقم مقابل الطغاة العصاة، ففي هذه الآية يؤمر الرسول صلى الله عليه و آله بتهديد المجرمين بثلاثة أنواع من العقاب: عذاب من فوق، وعذاب من تحت، وعقاب يتمثل في اختلاف الكلمة والحرب وإراقة الدماء: «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ».
إنّ مسألة اختلاف الكلمة والتفرّق في المجتمع لا تقل خطورتها عن العذاب السماوي والصواعق والزلازل، وهو كذلك، بل قد يكون الخراب الناشىء من اختلاف الكلمة والتفرّق أحياناً أشدّ وطأة ودماراً من الزلازل والصواعق، كثيراً ما نلاحظ أنّ دولًا عامرة يصيبها الفناء بسبب النفاق والتفرقة، وهذه الكلمة تحذير لجميع مسلمي العالم.