مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - ٦ سورة الأنعام
تعقيباً على التعاليم والأوامر العشر التي مرّت في الآيات السابقة، والتي امر في آخرها بإتباع الصراط الإلهي المستقيم، وبمكافحة أي نوع من أنواع النفاق والتفرقة، جاءت هذه الآية تتضمّن تأكيداً على هذه الحقيقة، وتفسيراً وشرحاً لها. فيقول تعالى أوّلًا: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ» [١]. أي أنّ الذين اختلفوا في الدين وتفرّقوا فرقاً وطوائف لا يمتّون إليك بصلة أبداً، كما لا يرتبطون بالدين أبداً، لأنّ دينك هو دين التوحيد، ودين الصراط المستقيم، والصراط المستقيم ما هو إلّاواحد لا أكثر.
ثم قال تعالى- مُهدّداً مُوبّخاً اولئك المفرّقين-: «إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ». أي أنّ اللَّه هو الذي سيؤاخذهم بأعمالهم وهو عليم بها، لا يغيب شيء منها.
محتوى هذه الآية يمثّل حكماً عامّاً يشمل كل من يفرّق الصفوف، وكل من يبذر بذور النفاق والاختلاف بين عباد اللَّه بابتداع البدع، من دون فرق بين من كان يفعل هذا في الامم السابقة أو في هذه الامة.
هذه الآية تكرّر مرّة اخرى- وبمزيد من التأكيد- هذه الحقيقة وهي أنّ الإسلام دين الوحدة والإتحاد وأنّه يرفض كل لون من ألوان التفرقة وإلقاء الاختلاف في صفوف الامة.
في
الآية اللاحقة
إشارة إلى الرحمة الإلهيّة الواسعة، وإلى الثواب الإلهي الواسع الذي ينتظر الأفراد الصالحين المحسنين وقد عقّبت التهديدات المذكورة في الآية بهذه التشجيعات: «مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا».
ثم قال: «وَمَن جَاءَ بِالسَّيّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا».
وللتأكيد يضيف هذه الجملة أيضاً فيقول: «وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ» وإنّما يعاقبون بمقدار أعمالهم.
و «الحسنة» و «السيئة» في الآية الحاضرة يشمل كل عمل صالح وفكر صالح وعقيدة صالحة أو سيئة.
[١] «الشِيَع»: من حيث اللغة تعني الفرق والطوائف المختلفة وأتباع الأشخاص المختلفين، وعلى هذا فإنّ مفردهذه الكلمة يعني من يتّبع مدرسة أو شخصاً معيّناً، هذا هو المعنى اللغوي لكلمة الشيعة. ولكن للفظة الشيعة معنى آخر في الإصطلاح، فهو يُطلق على من يتبع أميرالمؤمنين علياً عليه السلام ويشايعه، ولا يصح أن نخلط بين المعنيين اللغوي والإصطلاحي.