مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥ - ٩ سورة التوبة
هو حال المنافقين في كل عصر وزمن، إلّاأنّ القرآن حذّرهم من مغبة أعمالهم فقال:
«فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا».
نعم، ليبكوا على مستقبلهم المظلم: ليبكوا على العذاب الأليم الذي ينتظرهم: ليبكوا على أنّهم أغلقوا كل أبواب العودة بوجوههم، وأخيراً ليبكوا على ما أنفقوا من قوتهم وقدراتهم وعمرهم الثمين، واشتروا به الخزي والفضيحة وسوء العاقبة وتعاسة الحظ.
وفي نهاية الآية يبين اللَّه تعالى أنّ هذه العاقبة التي تنتظرهم هي «جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».
وفي
آخر آية
- من الآيات محل البحث- إشارة إلى طريقة اخرى دقيقة وخطرة من طرق المنافقين، وهي أنّهم حينما يرتكبون ما يخالف القانون الإسلامي، فإنّهم يُظهرون أعمالًا يحاولون بها جبران ما صدر منهم، ومحاولة تبرئة ساحتهم مما يستحقون من العقوبة، وبهذه الأعمال المناقضة لأعمالهم المخالفة للقانون فإنّهم يخفون وجوههم الحقيقية، أو يسعون إلى ذلك. إنّ الآية الكريمة تقول: «فإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا». أي إنّ النبي صلى الله عليه و آله يجب أن يزرع اليأس في نفوس هؤلاء، ويُعلمهم أن هذا التلون سوف لا ينطلي على أحد، ولن يُخدع بهم أحد.
جملة «طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ» توحي أنّ هؤلاء المنافقين لم يكونوا بأجمعهم يمتلكون الشجاعة حتى يحضروا ويطلبوا من النبي صلى الله عليه و آله السماح لهم في الخروج إلى الجهاد.
ثم تبين الآية أنّ سبب عدم قبول اقتراح هؤلاء وطلبهم ب «إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ».
٩/ ٨٥- ٨٤ وَ لَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَ لَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَاتُوا وَ هُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَ لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَ أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كَافِرُونَ (٨٥) بعد أن أزاح المنافقون الستار عن عدم مشاركتهم في ميدان القتال، وعلم الناس تخلفهم الصريح، وفشا سرّهم، أمر اللَّه سبحانه وتعالى نبيّه بأن يتبع أسلوباً أشدّ وأكثر صراحة ليقتلع وإلى الأبد- جذور النفاق والأفكار الشيطانية، وليعلم المنافقون بأنّهم لا محل لهم في المجتمع الإسلامي، وكخطوة عملية في مجال تطبيق هذا الأسلوب الجديد، صدر الأمر الإلهي «وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ».