مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - ٦ سورة الأنعام
والتصلّب والتعنّت، بل كانوا يرشقونه بتهمهم، ولذلك كله كان النبي صلى الله عليه و آله يشعر بالغم والحزن، واللَّه تعالى في مواضع كثيرة من القرآن يواسي النبي صلى الله عليه و آله ويصبّره على ذلك، لكي يواصل مسيرته بقلب أقوى وجأش أربط، كما جاء في هذه الآية: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ». فاعلم أنّهم لا ينكرونك أنت، بل هم ينكرون آيات اللَّه، ولا يكذّبونك بل يكذّبون اللَّه: «فَإِنَّهُمْ لَايُكَذّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ».
ومثل هذا القول شائع بيننا، فقد يرى «رئيس» أنّ «مبعوثه» إلى بعض الناس عاد غاضباً، فيقول له: «هوّن عليك، فإنّ ما قالوه لك إنّما كان موجّهاً إليّ، وإذا حصلت مشكلة فأنا المقصود بها، لا أنت» وبهذا يسعى إلى مواساة صاحبه والتهوين عليه.
الآية الثانية
تستأنف مواساة الرسول صلى الله عليه و آله وتبيّن له حال من سبقه من الأنبياء، وتؤكد له أنّ هذا ليس مقتصراً عليه وحده، فالأنبياء قبله نالهم من قومهم مثل ذلك أيضاً: «وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ».
ولكنهم صبروا وتحمّلوا حتى انتصروا بعون اللَّه: «فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتهُمْ نَصْرُنَا» وهذه سنة إلهية لا قدرة لأحد على تغييرها: «وَلَا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ».
وعليه، فلا تجزع ولا تبتئس إذا ما كذّبك قومك وآذوك، بل اصبر على معاندة الأعداء وتحمّل أذاهم، واعلم أنّ الإمدادات والألطاف الإلهية ستنزل بساحتك بموجب هذه السنّة، فتنتصر في النهاية عليهم جميعاً، وإنّ ما وصلك من أخبار الأنبياء السابقين عن مواجهتهم الشدائد والمصاعب وعن ثباتهم وصبرهم وإنتصارهم في النهاية، لهو شهادة بيّنة لك:
«وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ».
تشير هذه الآية إلى مبدأ عام هو أنّ قادة المجتمع الصالحين الذين يسعون لهداية الشعوب عن طريق الدعوة إلى مبادىء وتعاليم بنّاءة، وبمحاربة الأفكار المنحطّة والخرافات السائدة والقوانين المغلوطة في المجتمع، يواجهون معارضة شديدة من جانب فريق الإنتهازيين الذين يرون في انتشار تلك التعاليم والمبادىء البنّاءة خطراً يهدد مصالحهم، فلا يتركون وسيلة إلّا استخدموها لترويج أهدافهم المشؤومة، وبكل ما يخطر لهم من سلاح لمحاربة اولئك المصلحين.
إلّا أنّ الحقيقة، بما فيها من قوة الجاذبية والعمق، وبموجب السنّة الإلهية، تعمل عملها إلّا أنّ شرط هذا الإنتصار هو الصبر والمقاومة والثبات.