مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - ٧ سورة الاعراف
وبمجرّد أن ذاق آدم وزوجته من تلك الشجرة الممنوعة تساقط عنهما ما كان عليهما من لباس وانكشفت سوءاتهما «فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا».
وجُرّدا من لباس الجنة الذي هو لباس الكرامة الإلهية.
ثم يقول: إنّ آدم وحواء لمّا وجدا نفسيهما عاريين عمدا فوراً إلى ستر نفسيهما بأوراق الجنة: «وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ» [١].
وفي هذا الوقت بالذات جاءهما نداء من اللَّه يقول: ألم احذّركما من الاقتراب والأكل من هذه الشجرة؟ ألم أقل لكما: إنّ الشيطان عدوّ لكما؟ فلماذا تناسيتم أمري ووقعتم فيمثل هذه الأزمة: «وَنَادَيهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ».
من المقايسة بين تعبير هذه الآية والآية الاولى التي أجاز اللَّه فيها لآدم وحواء أن يسكنا الجنة، يستفاد بوضوح أنّهما بعد هذه المعصية ابتعدا عن مقام القرب الإلهي.
بحثان
١- ماذا كانت الشجرة الممنوعة؟ جاءت في المصادر الإسلامية تفسيران لها، أحدهما «مادي» وهو أنّها كانت «الحنطة» كما هو المعروف في الروايات.
والتفسير الآخر «معنوي» وهو أنّ المقصود من تلك الشجرة- كما في الرّوايات- هو ما عبّر عنها ب «شجرة الحسد» لأنّ آدم طبقاً لهذه الروايات- بعد ملاحظة مكانته ومقامه- تصوّر أنّه لا يوجد فوق مقامه مقام، ولا فوق مكانته مكانة، ولكن اللَّه تعالى أطلعه على مقام ثلّة من الأولياء من ذريته وأبنائه (رسول الأكرم وأهل بيته)، فحصل عنده ما يشبه الحسد، وكانت هذه هي الشجرة الممنوعة التي امر آدم بأن لا يقربها.
وفي الحقيقة تناول آدم- طبقاً لهذه الروايات- من شجرتين، كانت إحداهما أقل منه مرتبة وأدنى منه منزلة، وقد قادته إلى العالم المادي، وكانت هي «الحنطة». والاخرى هي الشجرة المعنوية التي كانت تمثل مقام ثلّة من أولياء اللَّه، والذي كان أعلى وأسمى من مقامه ومرتبته، وحيث إنّه تعدّى حدّه في كلا الصعيدين ابتلي بذلك المصير المؤلم.
ولكن يجب أن نعلم أنّ هذا الحسد لم يكن من النوع الحرام، بل كان مجرد إحساس
[١] «يخصفان»: من مادة «الخصف» وتعني في الأصل ضمّ شيء إلى شيء آخر، والجمع، ثمّ أطلق على ترفيع النعل أو الثوب المتمزق وخياطته فقيل: خصف النعل أو الثوب، أي جمع الأجزاء المتفرقة وضمّ بعضها إلى الآخر.