مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٥ - ٦ سورة الأنعام
ورد وصف مصير الظالمين من أتباع الشياطين يوم القيامة في الآيات السابقة ولكيلا يظن أحد أنّهم في حالة من الغفلة ارتكبوا ما ارتكبوه من إثم، تبين هذه الآيات أنّ تحذيرهم قد تمّ بما فيه الكفاية وتمّت عليهم الحجة، لذلك يقال لهم يوم القيامة: «يَا مَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا».
«معشر»: من العدد «عشرة»، وبما أنّ العشرة تعتبر عدداً كاملًا، فالمعشر هي الجماعة الكاملة التي تضمّ مختلف الطوائف والأصناف.
ثم تقول الآية: «قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا» لأنّ يوم القيامة ليس يوم الكتمان، بل إنّ دلائل كل شيء تكون بادية للعيان، وما من أحد يستطيع أن يخفي شيئاً، فالجميع يعترفون أمام هذا السؤال الإلهي قائلين: إنّنا نشهد ضدّ أنفسنا ونعترف أنّ الرسل قد جاؤونا وأبلغونا رسالاتك ولكنّنا خالفناها.
نعم ... لقد كانت أمامهم آيات ودلائل كثيرة من اللَّه، وكان يميّزون الخطأ من الصواب، إلّا أنّ الحياة الدنيا ببريقها ومظاهرها قد خدعتهم وأضلتهم: «وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا».
مرّة اخرى يؤكد القرآن أنّهم شهدوا على أنفسهم بألسنتهم بأنّهم قد ساروا في طريق الكفر ووقفوا إلى جانب منكري اللَّه: «وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ».
الآية التالية
تعيد المضمون السابق بصورة قانون عام وسنّة ثابتة، وهي: أنّ اللَّه لا يأخذ الناس في المدن والمناطق المسكونة بظلمهم إذا كانوا غافلين، إلّابعد أن يرسل إليهم الرسل لينبّهوهم إلى قبيح أعمالهم، ويحذّروهم من مغبّة أفعالهم: «ذلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ».
قد تعني «بظلم» أنّ اللَّه لا يظلم أحداً بأن يعاقبه عمّا فعل وهو غافل، لأنّ معاقبتهم بهذه الصورة تعتبر ظلماً، واللَّه أرفع من أن يظلم أحداً.
وتذكر
الآية الثالثة
خلاصة ما ينتظر هؤلاء من مصير، وتقرر أنّ لكل من هؤلاء- الأخيار والأشرار، المطيعين والعصاة، طالبي العدالة والظالمين- درجات ومراتب يوم القيامة تبعاً لأعمالهم، وإنّ ربك لا يغفل عن أعمالهم، بل يعلمها جميعاً، ويجزي كلًا بقدر ما يستحق: «وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ».
هذه الآية تؤكد مرّة اخرى الحقيقة القائلة بأنّ جميع «الدرجات» و «الدركات» التي يستحقها الإنسان إنّما هي وليدة أعماله، لا غير.