مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - ٦ سورة الأنعام
الفريق الثاني، فتقرر أنّ اللَّه ينعم بالهداية على من يشاء، وذلك بأن يفتح صدره لتقبّل الإسلام، أمّا الذي لا يريد اللَّه أن يوفّقه لذلك- لسوء أعماله- يضيق صدره بحيث يجعله وكأنّه يريد أن يصعد إلى السماء. «فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلْاسْلمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ».
ولتوكيد هذا الأمر تضيف الآية: «كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ».
فيسلبهم التوفيق ويركسهم في التعاسة والشقاء.
سبق لنا أن قلنا مرّات عديدة أنّ المقصود من لفظي «الهداية» و «الضلالة» الإلهيين هو توفير الظروف والمقدمات المؤدّية إلى الهداية بالنسبة للّذين لهم الاستعداد لذلك، وسلبها عن الذين لا استعداد لهم لذلك، بالنظر إلى أعمالهم.
الآية التالية
تؤكد البحث السابق فتقول: إنّ المدد الإلهي الذي يشمل السالكين في خط الايمان والعبودية للَّهويُسلب عن الذين يتنكبون عن سبيل اللَّه، إنّما هو سنة إلهية مستقيمة ثابتة لا تتبدل «وَهذَا صِرَاطُ رَبّكَ مُسْتَقِيمًا».
وفي ختام الآية توكيد آخر: «قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ». أي لمن يملكون قلوباً واعية وآذاناً سامعة.
الآية الثالثة
تشير إلى نعمتين من أكبر النعم التي يهبها اللَّه للذين يطلبون الحق، إحداهما:
«لَهُمْ دَارُ السَّلمِ عِندَ رَبّهِمْ». والثانية: «وَهُوَ وَلِيُّهُم». أي ناصرهم وحافظهم، وكل ذلك لما قاموا به من الأعمال الصالحة: «بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». فأيّ فخر أجل وأرفع من أن يتولى اللَّه امور الإنسان ويتكفل بها فيكون حافظه ووليه، وأيّة نعمة أعظم من أن تكون له دار السلام، دار الأمن والأمان، حيث لا حرب ولا سفك دماء، ولا نزاع ولا خصام، ولا عنف ولا تنافس قاتل ومميت، ولا تضارب مصالح، ولا كذب ولا إفتراء، ولا إتهام ولا حسد ولا حقد، ولا هم ولا غم، بل الهدوء والطمأنينة والهناء؟
٦/ ١٢٩- ١٢٨ وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَ قَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَ بَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) تعود هاتان الآيتان إلى بيان مصير المجرمين الضالين والمضلين فتكملان ما بحث في السابق، فتذكّران بيوم يقفون فيه وجهاً لوجه أمام الشياطين الذين كانوا يستلهمون منهم،