مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٦ - ١٤ سورة ابراهيم
أُرْسِلْتُم بِهِ». لماذا؟ بسبب: «وَإِنَّا لَفِى شَكّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ».
وبما أنّ الآية السابقة بيّنت قول المشركين والكفار في عدم إيمانهم بسبب شكهم وترديدهم، فالآية بعدها تنفي هذا الشك من خلال دليل واضح وعبارة قصيرة حيث يقول تعالى: «قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ». «فاطر»: من «فَطَر» وهي في الأصل بمعنى «شقّ» وهنا كناية عن «الخلق» فالخالق هو الموجد للأشياء على أساس نظام دقيق ثم يحفظها ويحميها، كأنّ ظلمة العدم شقّت بنور الوجود.
ولعل «فاطر» تشير إلى تشقّق المادة الأوّلية للعالم، كما نقرأ في العلوم الحديثة إنّ مجموع مادة العالم كانت واحدة مترابطة ثم إنشقّت إلى كُراة مختلفة.
فالقرآن الكريم هنا- كما في أغلب الموارد الاخرى- يستند لإثبات وجود الخالق وصفاته إلى نظام الوجود وخلق السماوات والأرض.
ثم يجيب القرآن الكريم على ثاني إعتراض للمخالفين، وهو إعتراضهم على مسألة الرسالة (لأنّ شكّهم كان في اللَّه وفي دعوة الرسول) ويقول إنّ من المسلم أنّ اللَّه القادر والحكيم لا يترك عباده بدون قائد، بل إنّه بإرسال الرسل: «يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ».
وزيادة على ذلك فإنّه: «وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى». كيما تسلكوا سبيل التكامل وتستفيدوا من موهبة الحياة بأقصى ما يمكنكم.
إنّ غاية دعوة الأنبياء أمران: أحدهما غفران الذنوب، والثاني إستمرار الحياة إلى الوقت المعلوم، والإثنان علة ومعلول، فالمجتمع الذي يستمر في وجوده هو المجتمع النقي من الظلم والذنوب.
ومع كل ذلك لم يقبل الكفار المعاندون دعوة الحق المصحوبة بوضوح منطق التوحيد، ومن خلال بيانهم المشوب بالعناد وعدم التسليم كانوا يجيبون الأنبياء بهذا القول: «قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مّثْلُنَا». علاوة على ذلك: «تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا». وأكثر من ذلك: «فَأْتُونَا بِسُلْطنٍ مُّبِينٍ».