مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٣ - ١٤ سورة ابراهيم
والإيمان، الطيّب والخبيث ضمن مثال واحد جميل وعميق المعنى ... يُكمل البحوث السابقة في هذا الباب. يقول تعالى أوّلًا: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ». ثمّ يشير إلى خصائص هذه الشجرة الطيبة في جميع أبعادها ضمن عبارات قصيرة.
«الكلمة»: في معناها الواسع تشمل جميع الموجودات.
«الطيب»: كل طاهر ونظيف، فالنتيجة من هذا المثال أنّه يشمل كل سنّة ودستور وبرنامج وطريقة، وكل عمل، وكل إنسان ... والخلاصة: كل موجود طاهر ونظيف وذي بركة، وجميعها كشجرة طيبة فيها الخصائص التالية:
١- كائن يمتلك الحركة والنمو، وليس جامداً ولا خاملًا.
٢- هذه الشجرة طيّبة، من كل جهة ... ثمارها، أزهارها، ونسيمها جميعها طيب وطاهر.
٣- لهذه الشجرة نظام دقيق، لها جذور وأغصان، وكل واحد له وظيفته الخاصة.
٤- أصلها ثابت محكم بشكل لا يمكن أن يقلعها الطوفان ولا العواصف، «أَصْلُهَا ثَابِتٌ».
٥- إنّ أغصان هذه الشجرة الطيبة ليست في محيط ضيّق ولا رديء، بل مقرّها في عنان السماء، وهذه الأغصان والفروع تشقّ الهواء وتصعد فيه عالياً «وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ».
ومن الواضح أنّ الأغصان كلّما كانت عالية وسامقة تكون بعيدة عن التلوّث والغبار وتصبح ثمارها نظيفة.
٦- هذه الشجرة كثيرة الثمر لا كالأشجار الذابلة العديمة الثمر، ولذلك فهي كثيرة العطاء «تُؤْتِى أُكُلَهَا».
٧- وثمارها ليست فصلية، بل في كل فصل وزمان، فإذا أردنا أن نمدّ يدنا إلى أغصانها في أي وقت لم نرجع خائبين «كُلَّ حِينٍ».
٨- إنّ إنتاجها من الثمار يكون وفق قوانين الخلقة والسنن الإلهية وليس بدون حساب «بِإِذْنِ رَبّهَا».
والآن يجب أن نفتّش، أين نجد هذه الخصائص والبركات؟
نجدها بالتأكيد في كلمة التوحيد ومحتواها، وفي الإنسان الموحد ذي المعرفة.
الرجال العظام من المؤمنين هم كلمة اللَّه الطيّبة، وحياتهم أصل البركة، دعوتهم توجب الحركة، آثارهم وكلماتهم وأقوالهم وكتبهم وتلاميذهم وتاريخهم ... وحتى قبورهم جميعها ملهمة وحيّة ومربية.