مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - ٩ سورة التوبة
أحدهما: الحفاظ على الظاهر والحيلولة دون هتك الأستار وفضح أسرار الناس.
والثاني: في مرحلة العمل، فقد كان صلى الله عليه و آله في البداية يسمع من كل أحد، ولا ينكر على أحد ظاهراً، أمّا في الواقع العملي فإنّه لا يعتني ولا يقبل إلّاأوامر اللَّه واقتراحات وكلام المؤمنين المخلصين، والقائد الواقعي يجب أن يكون كذلك فإن تأمين مصالح المجتمع لا يتم إلّا عن هذا الطريق، لذلك عبر عنه بأنّه رحمة للمؤمنين: «وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ».
بقي هنا شيء واحد، وهو أنّ هؤلاء الذين يؤذون النبي صلى الله عليه و آله بكلامهم ويتتبعون أحواله لعلّهم يجدون عيباً يشهّرون به يجب أن لا يتصوروا أنّهم سوف يبقون بدون جزاء وعقاب، ولهذا قال تعالى في نهاية الآية: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
٩/ ٦٣- ٦٢ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: لمّا نزلت الآيات التي ذمت المتخلفين عن غزوة تبوك ووبختهم قالوا المنافقين: لئن كان ما يقول محمّد حقّاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس، فقال: واللَّه إنّ ما يقول محمّد حق، وأنتم شرٌّ من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه و آله فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أنّ عامراً كذّاب، فنزلت الآية.
التّفسير
المنافقون والتظاهر بالحق: إنّ إحدى علامات المنافقين وأعمالهم القبيحة والتي أشار إليها القرآن مراراً هي إنكارهم الأعمال القبيحة والمخالفة للدين والعرف، وهم إنّما ينكرونها من أجل التغطية على واقعهم السيء وإخفاء الصورة الحقيقية لهم، ولما كان المجتمع يعرفهم ويعرف كذبهم في هذا الإنكار فقد كانوا يلجؤون إلى الأيمان الكاذبة من أجل مخادعة الناس وإرضائهم.
وفي الآيات السابقة الذكر نرى أنّ القرآن المجيد يكشف الستار عن هذا العمل القبيح ليفضح هؤلاء من جهة، ويحذّر المسلمين من تصديق الأيمان الكاذبة من جهة اخرى. في البداية يخاطب القرآن الكريم المسلمين وينبههم إلى أنّ هدف هؤلاء من القَسَم هو إرضاؤكم «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ».