مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٢ - ١٤ سورة ابراهيم
«سرابيل»: جمع «سربال» على وزن «مثقال» بمعنى القميص من أي قماش كان. و «قطران»: بفتح القاف وسكون الطاء أو بكسر القاف وسكون الطاء، وهي مادةً تؤخذ من شجرة الأبهل ثم تُغلى فتثخن وتُطلى بها الإبل عند إصابتها بمرض الجرب، فهي مادة سوداء نتنة وقابلة للإشتغال.
وعلى هذا أنّهم يلبسون ثياباً من مادة سوداء ونتنة وقابلة للإشتعال، حيث تمثّل أسوأ الألبسة لما كانوا يعملونه في هذه الدنيا من إرتكاب الذنوب والفواحش. وسوادها يشير إلى أنّ الذنوب تؤدّي إلى أن يكون الإنسان مسودّ الوجه أمام ربّه، وتعفّنها يشير إلى تلوّث المجتمع بهم ومساعدتهم على إشعال نار الفساد، وكأنّ القطران تجسيد لأعمالهم في الدنيا.
كل ذلك لأجل «لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ». ومن الطريف أنّه لم يقل أنّ الجزاء بما كسبت أنفسهم، بل يقول: «ما كسبت» ليكون تجسيداً حيّاً لأعمالهم، وهذه الآية بهذا التعبير الخاص دليل آخر على تجسّم الأعمال.
وفي الختام يقول تعالى: «إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ». وهذا واضح تماماً لأنّ كل إنسان حسابه معه.
وورد في الخبر:
«إنّ اللَّه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر».
ولا ريب أنّ اللَّه تعالى لا يحتاج إلى وقت لمحاسبة الأفراد، وما جاء في الرواية أعلاه إشارة إلى أقصر الفترات.
وبما أنّ آيات هذه السورة- وكذلك جميع الآيات- لها جانب الدعوة إلى التوحيد وإبلاغ الأحكام الإلهية إلى الناس وإنذارهم، يقول تعالى في
آخر آية
من هذه السورة: «هذَا بَلغٌ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْببِ».
بداية وختام سورة إبراهيم: وكما رأينا فإنّ سورة إبراهيم ابتدأت في بيان دور القرآن الكريم في إخراج الناس من الظّلمات إلى نور العلم والتوحيد، وانتهت في بيان دور القرآن في إنذار الناس وتعليمهم التوحيد.
إنّ هذه البداية والنهاية تبيّن هذه الحقيقة، وهو أنّ كل ما نحتاجه موجود في هذا القرآن، حيث يقول الإمام علي عليه السلام:
«هو ربيع القلوب وينابيع العلم»
...
«فاستشفوه من أدوائكم»