مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤ - ٧ سورة الاعراف
المشركين الفارغ، بزعمهم أنّ النبي صلى الله عليه و آله قد جُنّ، فيقول سبحانه: «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ» [١]. وهذا التعبير يشير إلى أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم يكن شخصاً مجهولًا بينهم، وتعبيرهم ب
«الصاحب»
يعني المحب والمسامر والصديق وما إلى ذلك، وكان النبي معهم أكثر من أربعين عاماً يرون ذهابه وإيابه وتفكيره وتدبيره دائماً وآثار النبوغ كانت باديةً عليه، فمثل هذا الإنسان الذي كان يُعدّ من أبرز الفضلاء والعقلاء قبل الدعوة إلى اللَّه، كيف تلصق به مثل هذه التهمة بهذه السرعة؟! أما كان من الأفضل أن يتفكروا- بدلًا من إلصاق التهم به- في احتمال أن يكون صادقاً في دعواه ومرسل من قبل اللَّه سبحانه؟! كما عقّب القرآن الكريم وبيّن ذلك بعد قوله أو لم يتفكروا؟ فقال: «إِن هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ».
وفي
الآية التالية
- استكمالًا للموضوع آنف الذكر- دعاهم القرآن إلى النظر في عالم الملكوت عالم السماوات والأرض، إذ تقول الآية: «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ». ليعلموا أنّ هذا العالم الواسع، عالم الخلق، عالم السماوات والأرض، بنظامه الدقيق المحيّر المذهل لم يخلق عبثاً، وإنّما هناك هدف وراء خلقه. ودعوة النبي صلى الله عليه و آله هي من أجل ذلك الهدف، وهو تكامل الإنسان وتربيته وارتقاؤه.
ثم تقول الآية معقبة لتنّبههم من نومة الغافلين: «وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ».
وأخيراً فإنّ
الآية التالية
، تختتم الكلام بالقول: «مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ».
فإنّ هذه التعابير تختص باولئك الذين يقفون بوجه الحقائق معاندين ألدّاء، حتى كأنّما على أبصارهم غشاوة وفي سمعهم صمم وعلى قلوبهم طبع، فلا يجدون إلّاأسدالًا من الظلمات تحجب طريقهم. وكل ذلك هو نتيجة أعمالهم، وهو المقصود بالإضلال الإلهي «مَن يُضْلِلِ اللَّهُ».
[١] «الجنّة»: معناها الجنون، ومعناها في الأصل: الحائل والمانع فكأنّما يُلقى على العقل حائل عند الجنون.