مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٣ - ١٢ سورة يوسف
١٢/ ٩٨- ٩٤ وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) على العدو وكسر شوكته لابدّ أن لا ننسى العفو والرحمة، وأن لا نعامله بقساوة.
كما أنّنا نرى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حينما فتح مكّة وأذلّ المشركين وهزمهم وكسر أصنامهم وداس شوكتهم وكبرياءهم، جاء رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى جوار الكعبة وأخذ بحلقة بابها وكان المشركون قد إلتجؤوا إليها، قال:
«وأنا أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم».
أي: إنّ اليوم ليس يوم ملامة وإنتقام وإظهار الحقد والضغينة «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وأخيراً شملتهم رعاية اللَّه ولطفه: أمّا أولاد يعقوب فإنّهم بعد أن واجهوا يوسف وجرى لهم ما جرى حملوا معهم قميص يوسف فرحين ومستبشرين وتوجّهوا مع القوافل القادمة من مصر، لكن- مقارناً مع حركة القافلة من مصر- حدث في بيت يعقوب حادث غريب بحيث أذهل الجميع وصار مثاراً للعجب والحيرة، حيث نشط يعقوب وتحرّك من مكانه وتحدّث كالمطمئن والواثق بكلامه قال: لو لم تتحدّثوا عنّي بسوء ولم تنسبوا كلامي إلى السفاهة والجهل والكذب لقلت لكم: «إِنّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ». فإنّي أحسّ بأنّ أيّام المحنة والآلام سوف تنصرم في القريب العاجل، وأنّه قد حان وقت النصر واللقاء مع الحبيب، وأرى أنّ آل يعقوب قد نزعوا ثوب العزاء والمصيبة ولبسوا لباس الفرح والسرور لكن لا تصدّقون كلامي «وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّى لَاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ».
أمّا الذين كانوا مع يعقوب- وهم عادةً أحفاده وأزواج أولاده وغيرهم من الأهل والعشيرة- فقد إستولى عليهم العجب وخاطبوه بوقاحة مستنكرين: «قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَللِكَ الْقَدِيمِ». أليس هذا برهاناً واضحاً على ضلالك حيث مضت سنين طويلة على موت يوسف لكنّك لا زلت تزعم أنّه حي، وأخيراً تقول: إنّك تشمّ رائحته من مصر؟! أين مصر وأين الشام وكنعان؟! وهذا دليل على بعدك عن عالم الواقع وإنغماسك في الأوهام