مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٨ - ١١ سورة هود
١١/ ١١- ٨ وَ لَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَ حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨) وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَ لَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) وهذا معيار وميزان لمعرفة القادة الصادقين من غيرهم الذين يتحيّنون الفرص ويهدفون إلى تأمين المنافع المادية في كل خطوة يخطونها سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويعقب نوح عليه السلام بعد ذلك في ردّه على مقولة طرد المؤمنين به من الفقراء والشباب فيقول بصورة قاطعة: «وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا». لأنّهم سيلاقون ربّهم ويخاصمونني في الدار الآخرة «إِنَّهُمْ مُّلقُوا رَبّهِمْ».
ثم تُختتم الآية ببيان نوح لقومه بأنّكم جاهلون «وَلكِنّى أَرَيكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ». وأيّ جهل وعدم معرفة أعظم من أن تضيعوا مقياس الفضيلة وتبحثون عنها في الثروة والمال الكثير والجاه والمقام الظاهري.
ثمّ أنتم تتصورون- بجهلكم- أن يكون النبي من الملائكة، في حين ينبغي أن يكون قائد الناس من جنسهم ليحسّ بحاجاتهم ويعرف مشاكلهم وآلامهم.
وفي
الآية التي بعدها
يقول لهم موضحاً: إنّني لو طردت من حولي فمن ينصرني من عدل اللَّه يوم القيامة وحتى في هذه الدنيا «وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ».
فطرد المؤمنين الصالحين ليس بالأمر الهيّن، إذ سيكونون خصومي يوم القيامة بطردي لهم، ولا أحد هناك يستطيع أن يدافع عنّي ويخلصني من عدل اللَّه، ولربّما أصابتني عقوبة اللَّه في هذه الدنيا، أم أنّكم لا تفكرون في أنّ ما أقوله هو الحقيقة عينها «أَفَلَا تَذَكَّرُونَ».
وآخر ما يجيب به نوح قومه ويردّ على إشكالاتهم الواهية ... إنّكم إذا كنتم تتصورون أن لي امتيازاً آخر غير الإعجاز الذي لديّ عن طريق الوحي فذلك خطأ، وأقول لكم بصراحة: «وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ». ولا أستطيع أن أحقق كل شيءٍ أريده وكل عمل أطلبه، حيث تحكي الآية عن لسانه «وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ». ولا أقول لكم إنّني مطلع على الغيب «وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ». ولا أدعي أنّني غيركم كأن أكون من الملائكة مثلًا «وَلَا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ» فهذه الادّعاءات الفارغة والكاذبة يتذرع بها المدّعون الكذبة، وهيهات أن يتذرع بها الأنبياء الصادقون.
وفي ذيل الآية يكرر التأكيد على المؤمنين المستضعفين بالقول: «وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا»، بل على العكس تماماً، فخير هذه الدنيا وخير الآخرة لهم وإن كانوا حُفاة لخلوّ أيديهم من المال والثروة فأنتم الذين تحسبون الخير منحصراً في المال والمقام والسن، تجهلون الحقيقة ومعناها تماماً.