مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥١ - ٩ سورة التوبة
من جملة المسائل التي يمكن أن تراود أذهان البعض بعد إلغاء عهد المشركين والحكم بجهادهم، هو: لِم نُبْعد هذه الجماعة العظيمة من المشركين عن المسجد الحرام لأداء مناسك الحج، مع أنّ مساهمتهم في هذه المراسم عمارة للمسجد من جميع الوجوه «المادية والمعنوية» إذ يستفاد من إعاناتهم المهمة لبناء المسجد الحرام، كما يكون لوجودهم أثر معنوي في زيادة الحاج والطائفين حول الكعبة المشرفة وبيت اللَّه. فالآيتان محل البحث تردّان على مثل هذه الأفكار الواهية التي لا أساس لها، وتصّرح الآية الاولى منهما بالقول: «مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ».
ثم تشير الآية إلى فلسفة هذا الحكم فتقول: «أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ».
ولذلك فهي لا تجديهم نفعاً: «وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ».
فاللَّه طاهر منزّه، وينبغي أن يكون بيته طاهراً منزهاً كذلك، فلا يصح أن تمسّه الأيدي الملوثة بالشرك. أمّا
الآيةالتالية
فتذكر شروط عمارة المسجدالحرام- إكمالًاللحديث آنفالذكر- فتبيّن خمسة شروط مهمة في هذا الصدد، فتقول: «إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ».
وهذا النص إشارة إلى الشرطين الأوّل والثاني اللذين يمثلان الأساس العقائدي.
ثم تشير الآية إلى الشرطين الثالث والرابع فتقول: «وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوةَ».
أي: إنّ الإيمان باللَّه واليوم الآخر لا يكفي أن يكون مجرّد ادعاء فحسب، بل تؤيده الأعمال الكريمة، فعلاقة الإنسان باللَّه ينبغي أن تكون قوية محكمة، وأن يؤدّي صلاته باخلاص، كما ينبغي أن تكون علاقته بعباد اللَّه وخلقه قوية، فيؤدي الزكاة إليهم.
وتشير الآية إلى الشرط الخامس والأخير فتقول: «وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ».
فقلبه مليء بعشق اللَّه، ولا يحسّ إلّابالمسؤولية في امتثال أمره ولايرى لأحد من عبيده أثراً في مصيره ومصير مجتمعه وتقدمه، هم أقل من أن يكون لهم أثر في عمارة محل للعبادة.
ثم تضيف الآية معقبة بالقول: «فَعَسَى أُولئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ». فيبلغون أهدافهم ويسعون لعمارة المسجد.
أهمية بناء المساجد: وردت أحاديث كثيرة في أهمية بناء المساجد. ففي تفسير المنار عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:
«من بنى للَّهمسجداً ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى اللَّه له بيتاً في الجنة».