مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - ٧ سورة الاعراف
بعث شعيب عليه السلام الذي ينتهي نسبه- حسب كتب التاريخ- إلى إبراهيم عبر خمس طبقات، إلى أهل مدين، وهي مدينة من مدن الشام، كان أهلها أهل تجارة وترف قد سادت فيهم الوثنية، وكذا الحيلة، والتطفيف في المكيال والميزان، والبخس في المعاملة.
في البداية يقول سبحانه: ولقد أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيباً «وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا».
إنّ
«مدين»
في الأصل اسم لأحد أبناء إبراهيم الخليل، وحيث إنّ أبناءه وأحفاده سكنوا في أرض على طريق الشام سميت تلك الأرض «مدين».
ثم إنّه تعالى أضاف: إنّ شعيباً مثل سائر الأنبياء بدأ دعوته بمسألة التوحيد «قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ».
وقال: إنّ هذا الحكم مضافاً إلى كونه من وحي العقل، ثابت بواسطة الأدلة الواضحة التي جاءتهم من جانب اللَّه أيضاً: «قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ».
ثم إنّه عليه السلام بعد الدعوة إلى التوحيد أخذ في محاربة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية السائدة فيهم، وفي البدء منعهم من ممارسة التطفيف، والغش في المعاملة، يقول: «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ» [١].
ثم يشير إلى عمل آخر من الأعمال الأثيمة، وهو الإفساد في الأرض بعد أن اصلحت أوضاعها بجهود الأنبياء، وفي ضوء الإيمان فقال: «وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلحِهَا».
ومن المسلّم أنّه لا يستفيد أحد من إيجاد الفساد ومن الإفساد، سواء كان فساداً أخلاقياً، أو من قبيل فقدان الإيمان، أو عدم وجود الأمن، لهذا أضاف في آخر الآية قائلًا:
«ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ».
وفي
الآية اللاحقة
يشير إلى رابع نصيحة لشعيب، وهي منعهم عن الجلوس على الطرقات وتهديد الناس، وصدّهم عن سبيل اللَّه، وتضليل الناس بإلقاء الشبهات وتزييف طريق الحق المستقيم في نظرهم، فقال: «وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا».
وفي ختام الآية جاءت النصيحة الخامسة لشعيب، التي ذكّر فيها قومه بالنعم الإلهية
[١] «البخس»: يعني نقص حقوق الأشخاص، والنّزول عن الحد بصورة توجب الظلم والحيف.