مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - ١١ سورة هود
رهطي وقبيلتي التي لا تتجاوز عدّة أنفار ولا تصغون لكلامي في اللَّه؟ وهل يمكن أن نقارن عدة أفراد بعظمة اللَّه سبحانه ... وأنتم لم تهابوه وتوقّروه «وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا».
وفي الختام يقول لهم: لا تظنوا أنّ اللَّه غافل عنكم أو أنّه لا يرى أعمالكم ولا يسمع كلامكم، بل «إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ».
فحيث أنّ المشركين من قوم شعيب هددوهُ في آخر كلامهم بالرجم، وأبرزوا قوتهم أمامه، كان موقف شعيب من تهديداتهم على النحو التالي: «وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ» [١].
١١/ ٩٥- ٩٤ وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) عاقبة المفسدين في مدين: قرأنا في قصص الأقوام السابقين مراراً، أنّ الأنبياء كانوا في المرحلة الاولى يدعونهم إلى اللَّه، وفي المرحلة التي بعدها حيث لم ينفع النصح للجماعة ينذرها نبيّها ويخوّفها من عذاب اللَّه، وفي المرحلة الثالثه، تبدأ مرحلة التصفية وينزل العقاب. وفي شأن قوم شعيب- أي أهل مدين- وصل الأمر إلى المرحلة النهائية أيضاً، إذ يقول القرآن الكريم فيهم: «وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ». «الصيحة»: معناها في اللغة كل صوت عظيم، والقرآن الكريم يحكي عن هلاك أقوام متعددين بالصيحة السماوية، هذه الصيحة يحتمل أن تكون صاعقة من السماء أو ما شابهها.
ثم يعقّب القرآن فيقول: «فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ». أي: أجساداً هامدة بلا روح، لتبقى أجسادهم هناك عبرة لمن اعتبر ...
وهكذا طُوي سجلّ وطومار حياتهم «كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا». وانطفأ بريق كل شيء، فلا ثروة ولا قصور ولا ظلم ولا زينة كل ذلك تلاشى وانعدم.
وكما كانت نهاية عاد وثمود- وقد حكى عنهما القرآن- فهو يقول عن نهاية مدين أيضاً
[١] «الرقيب»: معناه الحافظ والمراقب وهو مشتق في الأصل من الرقبة وإنّما سُمّي بذلك لأنّه يكون حافظاً على رقبة شخص ما «كناية عن أنّه مراقب على روحه» أو يحرك الرقبة ليؤدّي دور الرقابة والحفظ.