مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٢ - ١٢ سورة يوسف
عن جريمتهم أم لا؟ فابتدأوا مستفسرين بقولهم: «قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا» [١]. أي:
إنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد فضّلك علينا بالعلم والحلم والحكومة «وَإِن كُنَّا لَخَاطِينَ». أمّا يوسف الذي كانت نفسه تأبى أن يرى إخوته في حال الخجل والندامة- خاصه في هذه اللحظات الحساسة وبعد إنتصاره عليهم، فخاطبهم بقوله: «قَالَ لَاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» [٢]. أي: إنّ العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذاً إلى نفوسكم، ثم لكي يبيّن لهم أنّه ليس وحده الذي أسقط حقّه وعفا عنهم، بل إنّ اللَّه سبحانه وتعالى أيضاً عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم: «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ». أي: إنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لأنّه أرحم الراحمين.
وهذا دليل على علو قدر يوسف وغاية فضله حيث إنّه لم يعف عن سيّئات إخوته فحسب، بل طمأنهم على أنّ اللَّه سبحانه وتعالى رحيم غفور وأنّه تعالى سوف يعفو عن سيئاتهم، وإستدلّ لهم على ذلك بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين.
وهنا تذكّر الإخوة مصيبة اخرى قد ألمّت بعائلتهم والشاهد الحي على ما إقترفوه في حقّ أخيهم، ألا وهو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزناً وفراقاً على يوسف، أمّا يوسف فإنّه قد وجد لهذه المشكلة حلًا حيث خاطبهم بقوله: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا». ثمّ طلب منهم أن يجمعوا العائلة ويأتوا بهم جميعاً «وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ».
ورد في بعض الروايات أنّ يوسف قال: إنّ الذي يحمل قميصي المشافي إلى أبي لابدّ وأن يكون هو نفسه الذي حمل قميصي الملطّخ بالدماء إليه، فأعطى ل (يهودا) قميصه بعد أن اعترف له أنّه هو الذي حمل قميصه الملطّخ بالدماء إلى أبيه وأخبره بأنّ الذئب قد أكل يوسف.
إنّ الآيات السابقة تعلّمنا درساً من دروس الأخلاق الإسلامية، وهو أنّه بعد الإنتصار
[١] «آثرك»: أصله من «الإيثار» وفي الأصل بمعنى البحث عن أثر الشيء، وبما أنّه يقال للفضل والخير: أثر، فقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على الفضيلة والعلو.
[٢] «تثريب»: أصله من مادّة «ثرب ٩ وهو شحمة رقيقة تغطّي المعدة والأمعاء، والتثريب بمعنى رفع هذاالغطاء، ثمّ بمعنى العتاب والملامة فكأنّ المعاقب قد رفع بعتابه غطاء الذنب عن وجه المذنب.