مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - ٧ سورة الاعراف
ولقد كان البحث في الآيات السابقة حول المكذبين لآيات اللَّه، والمستكبرين والظالمين، وهنا يشرح ويبين المستقبل المشرق للمؤمنين إذ يقول: «وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...
أُولئِكَ أصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ».
وقد أتى بين المبتدأ والخبر بجملة معترضة توضّح الكثير من الإبهامات إذ يقول: «لَا نُكَلّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». وهذه الجملة تؤكّد بأنّه لا ينبغي لأحد أن يتصور بأنّ الإيمان باللَّه، والإتيان بالعمل الصالح وسلوك سبيل المؤمنين، أمر متعسر غير مقدور إلّالأفراد معدودين، لأنّ التكاليف الإلهية في حدود الطاقة البشرية وليست أكثر منها.
إنّ هذه الآية- مثل سائر الآيات القرآنية- تحصر وسيلة النجاة والسعادة الأبدية في الإيمان والعمل الصالح، وهكذا تفنّد العقيدة النصرانية المحرفة الذين يعتبرون صلب المسيح في مقابل ذنوب البشر وسيلة للنجاة، ويقولون: إنّه قربان لخطايا الإنسانية.
إنّ إصرار القرآن الكريم على مسألة الإيمان والعمل الصالح، في الآيات المختلفة لتفنيد هذه المقولة وأمثالها.
وفي
الآية اللاحقة
أشار تعالى إلى واحدة من أهم النعم التي أعطاها اللَّه سبحانه لأهل الجنة، والتي تكون سبباً لطمأنينتهم النفسية وسكنتهم الروحية، إذ قال: «وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ».
«الغِل»: في الأصل بمعنى نفوذ الشيء خفيّة وسرّاً، ولهذا يقال للحسد والحقد والعداوة، الذي يتسلّل إلى النفس الإنسانية بصورة خفية (الغل).
وإنّ من أكبر عوامل الشقاء التي يعاني منها الناس في هذه الحياة، ومصدر الكثير من الصراعات الاجتماعية الواسعة التي تؤدّي- مضافاً إلى الخسائر الفادحة في المال والنفس- إلى زعزعة الاستقرار الروحي، هو الحسد والحقد.
إنّ أهل الجنة معافون من هذه الشقاوات والمحن بالكلية، لأنّهم لا يتصفون بهذه الصفات القبيحة، إنّهم يعيشون معاً في منتهى التواد والتحابب والصفاء والسكينة، ولهذا راضون عن وضعهم الذي هم فيه.
وبعد ذكر هذه النعمة الروحانية، يشير القرآن الكريم إلى نعمهم المادية الجسدية، فيقول:
«تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ».
ثم يعكس رضى أهل الجنة الكامل الشامل الذي يعبرون عنه بالحمد والشكر للَّهوحده