مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٤ - ١١ سورة هود
ويشير هذا النبي العظيم بعد هذا الأمر إلى علتين: العلة الاولى: هي قوله «إِنّى أَرَيكُم بِخَيْرٍ».
يقول أوّلًا: إنّ قبول نصحي يكون سبباً لتفتح أبواب الخير عليكم وتقديم التجارة وهبوط سطح القيمة واستقرار المجتمع.
ويحتمل أيضاً في تفسير هذه الجملة «إِنّى أَرَيكُم بِخَيْرٍ» أنّ شعيباً يقول لهم: إنّي أراكم منعمين وفي خير كثير، فعلى هذا لا مدعاة لعبادة الأصنام وإضاعة حقوق الناس والكفر بدلًا من الشكر على نعم اللَّه سبحانه.
وثانياً: «وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ» بسبب إصراركم على الشرك والتطفيف في الوزن وكفران النعمة ... الخ.
وكلمة «محيط»: جاءت صفة ليوم، أي يوم شامل ذو إحاطة، وشمول اليوم يعني شمول العذاب والعقاب في ذلك اليوم، وهذا التعبير فيه إشارة إلى عذاب الآخرة كما يشير إلى عقاب الدنيا الشامل.
و
الآية الاخرى
تؤكّد على نظامهم الاقتصادي، فإذا كان شعيب قد نهى قومه عن قلة البيع والبخس في المكيال، فهنا يدعوهم إلى إيفاء الحقوق والعدل والقسط حيث يقول: «وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ».
ويجب أن يحكم هذا الأصل «وهو اقامة القسط والعدل، وإعطاء كل ذي حق حقه» على مجتمعكم بأسره.
ثم يخطو خطوة أوسع ويقول: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ».
و «البخس»: معناه في اللغة التقليل، وجاء هنا بمعنى الظلم أيضاً.
ونجد في نهاية الآية أنّ شعيباً يخطو خطوةً اخرى أوسع ويقول لقومه: «وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ».
فالفساد يقع عن طريق البيع ويقع عن طريق غصب حقوق الناس والإعتداء على حقوق الآخرين، والفساد أيضاً يقع في الإخلال بالموازين والمقاييس الاجتماعية، ويقع أيضاً ببخس الناس أشياءهم وأموالهم، وأخيراً يقع الفساد على الحيثيات بالإعتداء على حرمتها وعلى النواميس وأرواح الناس.
إنّ الآيتين المتقدمتين تعكسان هذه الواقعية بجلاء، وهي أنّه بعد الإعتقاد بالتوحيد والنظر الفكري الصحيح، يُنظر إلى الاقتصاد السليم بأهمية خاصة، كما تدلّان على أنّ