مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - ٧ سورة الاعراف
إذ لم تنفع المواعظ: إنّ هذه الآيات- التي ذكرت بعد استعراض قصص مجموعة من الأنبياء العظام، مثل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وقبل أن يعمد القرآن الكريم إلى استعراض قصة موسى بن عمران- أشار إلى عدّة أصول وقواعد عامة تحكم في جميع القصص والحوادث، وهي قواعد واصول إذا فكّرنا فيها كشفت القناع عن حقائق قيمة ترتبط بحياتنا- جميعاً- ارتباطاً وثيقاً. في البداية يقول: «وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ». فالصِعاب والمشاق والبلايا التي تصيب الأفراد إنّما يفعلها اللَّه بهم عسى أن ينتبهوا، ويتركوا طغيانهم، ويرجعوا إلى اللَّه ويتوبوا إليه.
وذلك لأنّ الناس ما داموا في الرخاء والرفاه فهم في غفلة وقلما يكون لديهم استعداد وقابلية لقبول الحق. أمّا عندما يتورّطون في المحنة والبلاء، يشرق نور فطرتهم وتوحيدهم ويتذكرون اللَّه قهراً بلا اختيار، وتستعد قلوبهم لقبول الحق.
ولكن هذه اليقظة والنهضة ليست عند الجميع على حدّ سواء، فهي في كثير من الناس سريعة وعابرة وغير ثابتة، وبمجرّد أن تزول المشكلات يعودون إلى غفلتهم وغفوتهم، ولكن هذه المشكلات تعتبر بالنسبة إلى جماعة آخرين نقطة تحول في الحياة، ويعودون إلى الحق إلى الأبد.
ولهذا قال تعالى في
الآية اللاحقة:
عندما لم تغيّر تلك الجماعات سلوكها ومسيرها تحت ضعظ المشكلات والحوادث، بل بقوا في الضلال، رفعنا عنهم المشكلات وجعلنا مكانها النعم والرخاء فازدهرت حياتهم وكثر عددهم وزادت أموالهم «ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا».
ثمّ أضاف: أنّهم عند زوال المشكلات بدل أن يلتفتوا إلى هذه الحقيقة وهي «النعمة» و «النقمة» بيد اللَّه، وأنّهم راجعون إلى اللَّه، يتذرعون- لخداع أنفسهم- بهذا المنطق، وهو إذا تعرضنا للمصائب والبلايا، فإنّ ذلك ليس بجديد، فقد مس آباءنا الضراء والسراء، وكانت لهم حالات رخاء وحالات بلاء، فالحياة لها صعود ونزول، والصعاب أمواج غير ثابتة وسريعة الزوال «وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ». فهي إذن قضية طبيعية، ومسألة إعتيادية.
فيقول القرآن الكريم في الختام: إنّ الأمر عندما بلغ إلى هذا الحد، ولم يستفيدوا من عوامل التربية- أبداً- بل ازدادوا غروراً وعنجهيّة وتكبراً أهلكناهم فجأة ومن غير سابق انذار، لأنّ ذلك أشد إيلاماً ونكالًا لهم، وعبرة لغيرهم: «فَأَخَذْنهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَايَشْعُرُونَ».