مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - ١٢ سورة يوسف
وطبيعي أنّ مثل هذا الحادث من العسير تصديقه في البداية، أي إنّ شاباً يافعاً غير متزوج لا يُعدّ آثماً، ولكن امرأة متزوجة ذات مكانة اجتماعية- ظاهراً- آثمة! فلذلك كانت أصابع الإتهام تشير إلى يوسف أكثر من امرأة العزيز.
ولكن حيث إنّ اللَّه حامي الصالحين والمخلصين فلا يرضى أن يحترق هذا الشاب المجاهد بشعلة الإتهام، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد: «وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ».
أمّا عزيز مصر فقد قبل هذا الحكم الدقيق، وتحيّر في قميص يوسف ذاهلًا: «فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ».
في هذه الحال، ولخوف عزيز مصر من إنتشار خبر هذا الحادث المؤسف على الملأ، فتسقط منزلته وكرامته في مصر رأى أنّ من الصلاح كتمان القضية، فالتفت إلى يوسف وقال:
«يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذَا». أي: اكتم هذا الأمر ولا تخبر به أحداً ... ثم التفت إلى امرأته وقال: «وَاسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِينَ».
الشاهد الذي ختم «ملفّ يوسف وامرأة العزيز» بسرعة، هو أحد أقارب امرأة العزيز، وكلمة «من أهلها» دليل على ذلك. وعلى القاعدة فهو رجل حكيم وعارف ذكي ويقال: إنّ هذا الرجل كان من مشاوري عزيز مصر وكان معه.
حماية اللَّه في الأزمات: الدرس الكبير الآخر الذي نتعلّمه من قصة يوسف، هو حماية اللَّه ورعايته للإنسان الأكيدة في أشدّ الحالات، وبمقتضى قوله: «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقُهُ مِن حَيْثُ لَايَحْتَسِب». فمن جهة كان يوسف لا يُصدّق أبداً أنّ نافذة من الأمل ستفتح له، ويكون قدّ القميص سنداً للطهارة والبراءة، ذلك القميص الذي يصنع الحوادث، فيوماً يفضح إخوة يوسف لأنّهم جاؤوا أباهم وهو غير ممزّق، ويوماً يفضح امرأة العزيز لأنّه قدّ من دُبر، ويوماً آخر يهب البصر والنور ليعقوب، وريحه المعروف يسافر مع نسيم الصباح من مصر إلى أرض كنعان ويبشّر العجوز «الكنعاني» بقدوم موكب البشير.
إنّ للَّهألطافاً خفية لا يسبر غورها أحد، وحين يهبّ نسيم هذه الألطاف تتغير الأسباب والمسببات بشكل لا يمكن حتى لأذكى الأفراد أن يتنبّأ عنها.