مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - ٦ سورة الأنعام
التّفسير
في الآيات السابقة مرّت الإشارة إلى مزاعم اليهود الذين أنكروا نزول أي كتاب سماوي على أحد، وفي هذه الآية يدور الكلام على اشخاص آخرين يقفون على الطرف المعاكس تماماً لأولئك، فيزعمون كذباً أنّ الوحي ينزل عليهم.
وتتناول الآية ثلاث جماعات من هؤلاء بالبحث، ففي البداية تقول: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا».
والجماعة الثانية هم الذين يدّعون النبوّة ونزول الوحي عليهم، فلا هم أنبياء، ولا نزل عليهم وحي: «أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ».
والجماعة الثالثة هم الذين أنكروا نبوّة نبي الخاتم صلى الله عليه و آله أو زعموا ساخرين أنّهم يستطيعون أن يأتوا بمثل آيات القرآن، وهم في ذلك كاذبون ولا قدرة لهم على ذلك: «وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ».
نعم، هؤلاء كلهم ظالمون، بل أظلم الظالمين، فهم ضالون مضلون، فمن أظلم ممن يدّعي لنفسه القيادة الإلهية وليست لديه صلاحية مثل هذا المقام.
ثم تبيّن العقاب الأليم الذي ينتظر أمثال هؤلاء فتقول: «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ» [١]. أي لو أنّك- أيّها النبي- رأيت هؤلاء الظالمين وهم يمرون بشدائد الموت والنزع الأخير، وملائكة قبض الأرواح مادّين أيديهم نحوهم ويقولون لهم: هيّا أخرجوا أرواحكم، لأدركت العذاب الذي ينزل بهم.
عندئذٍ تخبرهم ملائكة العذاب بأنّهم سينالون اليوم عذاباً مذلّاً لأمرين: الأوّل: إنّهم كذبوا على اللَّه، والآخر، إنّهم لم ينصاعوا لآياته: «الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ». «أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ» تعني في الواقع ضرباً من التحقير تبديه الملائكة نحو هؤلاء الظالمين، وإلّا فإنّ إخراج الروح ليس من عمل هؤلاء، بل هو من واجب الملائكة.
[١] «الغمرات»: جمع غمرة (على وزن ضربة)، و أصل الغمر إزالة أثر الشىء، ثم استعملت للماء الكثير الذى يستر وجه الشىء تماماً، كما تطلق على الشدائد والصعاب التى تغمر المرء.