مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٥ - ٦ سورة الأنعام
ثم يقول سبحانه: «وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا».
ثم يستثني بعد هذا ثلاثة موارد:
أوّلها: الشحوم الموجودة في موضع الظهر من هذين الحيوانين إذ يقول: «إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا».
وثانياً: الشحوم الموجودة على جنبيها، أو بين أمعائها: «أَوِ الْحَوَايَا» [١].
وثالثاً: الشحوم التي امتزجت بالعظم والتصقت به «أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ».
ولكنه صرّح في آخر الآية بأنّ هذه الامور لم تكن محرّمة على اليهود ولكنهم بسبب ظلمهم وبغيهم حُرمُوا- بحكم اللَّه وأمره- من هذه اللحوم والشحوم التي كانوا يحبّونها «ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ».
ويضيف- لتأكيد هذه الحقيقة- قوله: «وَإِنَّا لَصَادِقُونَ» وإنّ ما نقوله هو عين الحقيقة.
ولمّا كان عناد اليهود المشركين أمراً بيّناً، وكان من المحتمل أن يتصلّبوا ويتمادوا في تكذيب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أمر اللَّه تعالى نبيّه في
الآية الاخرى
أن يقول لهم إن كذّبوه: إنّ ربّكم ذو رحمة واسعة فهو لا يسارع إلى عقوبتكم ومجازاتكم، بل يمهلكم لعلكم تؤوبون إليه، وترجعون عن معصيتكم، وتندمون من أفعالكم وتعودون إلى اللَّه، «فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ».
ولكن إذا أساؤوا فهم أو استخدام هذا الإمهال الإلهي، واستمروا في كيل التهم فيجب أن يعلموا أنّ عقاب اللَّه إياهم حتمي لا مناص منه، وسوف يصيبهم غضبه في المآل: «وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ».
إنّ هذه الآية تكشف عن عظمة التعاليم القرآنية، فإنّه بعد شرح وبيان كل هذه المخالفات التي ارتكبها اليهود والمشركون لا يعمد إلى التهديد بالعذاب فوراً، بل يترك طريق الرجعة مفتوحاً، وذلك بذكر عبارات تفيض بالحب مثل قوله: «ربّكم»، «ذو رحمة»، «واسعة».
حتى إذا كان هناك أدنى استعداد للرجوع والإنابة في نفوسهم شوّقتهم هذه العبارات العاطفية على العودة إلى الطريق المستقيم.
[١] «الحوايا»: جمع «حاوية» وهي مجموعة ما يوجد في بطن الحيوان والتي تكون على هيئة كرة تتضمّن الأمعاء.