مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - ٦ سورة الأنعام
التّفسير
مكافحة التفكير الطبقي: في هذه الآية إشارة إلى واحد من إحتجاجات المشركين، وهو أنّهم كانوا يريدون من النّبي صلى الله عليه و آله أن يقرّ ببعض الإمتيازات لطبقة الأغنياء ويفضّلهم على طبقة الفقراء، إذ كانوا يرون في جلوسهم مع الفقراء من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله منقصة لهم أيّ منقصة! مع أنّ الإسلام كان قد جاء للقضاء على مثل هذه الإمتيازات الزائفة الجوفاء، كانوا يصرّون على هذا الطلب في طرد اولئك عنه، غير أنّ القرآن ردّ هذا الطلب مستنداً إلى أدلة حيّة، فيقول: «وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» [١].
في الحقيقة كان هؤلاء يستندون في طلبهم ذاك إلى سنّة قديمة خاطئة تقيّم المرء على أساس ثروته، وكانوا يعتقدون أنّ المعايير الطبقية القائمة على أساس الثروة يجب أن تبقى محفوظة، ويرفضون كل دعوة تستهدف إلغاء هذه القيم والمعايير.
ثم تقول الآية: إنّه ليس ثمّة ما يدعو إلى إبعاد هؤلاء المؤمنين عنك، لأنّ حسابهم ليس عليك، ولا حسابك عليهم: «مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ». ولكنّك مع ذلك إذا فعلت تكون ظالماً: «فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ».
والمقصود من
«الحساب»
هنا هو حساب الأعمال. إنّ المشركين كانوا يتهمون أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الفقراء بالإبتعاد عن اللَّه بسبب فقرهم، زاعمين أنّهم لو كانت أعمالهم مقبولة عند اللَّه لزمه الترفيه والتوسعة عليهم في معيشتهم.
فيرد القرآن على ذلك مبيّناً أنّنا حتى لو فرضنا أنّهم كذلك، فإنّ حسابهم على اللَّه، مادام هؤلاء قد آمنوا وأصبحوا في صفوف المسلمين، فلا يجوز طردهم بأيّ ثمن، وبهذا يقف في وجه إحتجاج أشراف قريش.
إمتياز كبير للإسلام: إنّنا نعلم أنّ دائرة صلاحيات رجال الدين المسيحيين المعاصرين قد اتسعت إتساعاً مضحكاً بحيث إنّهم أعطوا أنفسهم حق غفران الذنوب، فبإمكانهم طرد الأشخاص وتكفيرهم أو قبولهم لأتفه الامور. إلّاأنّ القرآن، في هذه الآية وفي آيات اخرى ينفي صراحة أن يكون لأحد الحق، بل ولا لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله نفسه في أن يطرد أحداً أظهر إيمانه ولم يفعل ما يوجب إخراجه من الإسلام، وأنّ غفران الذنوب والحساب بيد اللَّه وحده، ولا يحق لأحد التدخل في هذا أبداً.
[١] معنى «الوجه» في اللغة معروف، ولكنّ الكلمة قد تعني «الذات» كما في هذه الآية.