مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - ٩ سورة التوبة
ويجب أن لا يقصروا في هدم وتضعيف معنويات العدو، وتهيئة أرضية الهزيمة في نفوس أفراده قدر المستطاع.
ثم تذكر الآية الدليل على هذا الموضوع، فتذكر أن مثل هؤلاء الأفراد الذين لا يألون جهداً في عمل الخير، لا يمكن أن يعاتبوا أو يُوبّخوا أو يُعاقبوا، إذ «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ».
بعد ذلك اختتمت الآية بذكر صفتين عظيمتين من صفات اللَّه عزّ وجل- وكل صفاته عظيمة- كدليل آخر على جواز تخلف هؤلاء المندرجين ضمن المجموعات الثلاث فقالت:
«وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
«غفور»: مأخوذة من مادة الغفران، أي الستر والإخفاء، أي إنّ اللَّه سبحانه وتعالى سيلقي الستار على أعمال هؤلاء المعذورين ويقبل أعذارهم، وكون اللَّه «رحيماً» يقتضي أن لا يكلف أحداً فوق طاقته، بل يعفيه من ذلك، وإذا اجبر هؤلاء على الحضور في ميدان القتال، فإنّ ذلك لا يناسب غفران اللَّه ورحمته، وهذا يعني أنّ اللَّه الغفور الرحيم سيعفي هؤلاء عن الحضور حتماً، ويعفو عنهم.
ثم تشير الآية إلى الفئة الرابعة من المعفو عنهم وهؤلاء هم الذين حضروا- بشوق- عند النبي صلى الله عليه و آله وطلبوا منه أن يحملهم على الدواب للمشاركة في الجهاد، فاعتذر النبي صلى الله عليه و آله بأنّه لا يملك ما يحملهم عليه، فخرجوا من عنده وعيونهم تفيض من الدمع حزناً وأسفاً على ما فاتهم، وعلى أنّهم لا يملكون ما ينفقونه في سبيل اللَّه: «وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَاأَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ».
«تفيض»: من مادة الفيضان، أي الإنسكاب والتساقط بعد الإمتلاء، فإنّ الإنسان إذا أهمه أمر أو دهمته مصيبة، فإذا لم تكن شديدة اغرورقت عيناه بالدموع وامتلأت دون أن تجري، أمّا إذا وصلت إلى مرحلة يضعف الإنسان عن تحملها سالت دموعه.
أمّا
آخر آية
فتبين وضع الفئة الخامسة، وهم الذين لم يعذروا، ولن يُعذروا عند اللَّه تعالى، فإنّهم قد توفرت فيهم كل الشروط، ويملكون كل مستلزمات الجهاد، فوجب عليهم حتماً، لكنهم رغم ذلك يحاولون التملّص من أداء هذا الواجب الإلهي الخطير، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه و آله يطلبون الإذن في الإنصراف عن الحرب، فبينت الآية أنّهم سيؤاخذون بتهرّبهم ويعاقبون عليه: «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ».