مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - ٩ سورة التوبة
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: إنّ الآية الاولى نزلت في عبد اللَّه بن زائدة وهو ابن أم مكتوم، وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال: يا نبى اللَّه إنّي شيخ ضرير، خفيف الحال، نحيف الجسم، وليس لي قائد فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي صلى الله عليه و آله، فأنزل اللَّه الآية.
والآية الثانية نزلت في البكائين وهم سبعة نفر من فقراء الأنصار جاءوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقالوا: يا رسول اللَّه! احملنا فإنّه ليس لنا ما نخرج عليه. فقال:
«لا أجد ما أحملكم عليه».
التّفسير
هذه الآيات قسمت المسلمين في مجال المشاركة في الجهاد لتوضيح حال سائر المجاميع من ناحية القدرة على الجهاد، أو العجز عنه، وأشارت إلى خمس مجموعات: أربع منها معذورة حقيقة وواقعاً، والخامسة هم المنافقون.
الآية الاولى تقول: إنّ الضعفاء، والعاجزين لكبر أو عمى أو نقص في الأعضاء، والذين لا وسيلة لهم يتنقلون بها ويستفيدون منها في المشاركة في الجهاد، لا حرج عليهم إذا تخلفوا عن هذا الواجب الإسلامي المهم: «لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ».
هذه الأقسام الثلاث تعذر في كل قانون إذا لم تشارك، والعقل والمنطق يمضي هذا التسامح، ومن المسلم أنّ القوانين الإسلامية لا تنفصل عن المنطق والعقل في أي مورد.
«الحرج»: في الأصل تعني مركز اجتماع الشيء، ولما كان اجتماع الناس وكثرتهم في مكان ومركز ما ملازم لضيق ذلك المكان، فقد استعملت هذه الكلمة بمعنى الضيق والإزعاج والمسؤولية والتكليف، ويكون معناها في هذه الآية هو المعنى الأخير، أي المسؤولية والتكليف.
ثم بيّنت الآية شرطاً مهماً في السماح لهؤلاء بالإنصراف، وهو إخلاصهم وحبّهم للَّه ورسوله، ورجاؤهم وعملهم كل خير لهذا الدين الحنيف، لذا قالت: «إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ». أي إنّ هؤلاء قادرون على استعمال سلاح الكلمة والسلوك الإسلامي الأمثل، وبهذا يستطيعون ترغيب المجاهدين.