شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٩٢ - الفرع الثّاني في معنى الإيجاب والاختيار
واعلم: أنّ هاهنا نزاعاً آخر وهو أنّه: هل يجب من الله تعالى بالعلم والإرادة شيء بحيث يمتنع تخلّفه بعد تعلّقهما به عنه تعالى أم لا ؟[١]
فالحكماء والمحقّقون من المتكلّمين كالمصنّف على الأوّل، لما مرّ من أن الشيء ما لم يجب لم يوجد، لامتناع التّرجيح بلا مرجح.
والأشعري ومن تبعه في تجويز الترجيح بلا مرجّح على الثّاني، فعندهم يجوز أن يقع الترك بدلاً عن الفعل في وقت عزم فيه على الفعل ويمتنع عند غيرهم ذلك.
والفرق في ذلك بين الحكماء وبين المصنّف وأضرابه هو أنّ عند الحكماء قد تعلّق إرادة الباري تعالى بإيجاد العالم في الأزل، فوجب وجوده فيه بالإرادة القديمة الّتي هي عين ذاته تعالى فيمتنع وقوع الترك بالنظر إلى ذلك التعلّق وإن جاز مع قطع النظر عنه .
وعند المصنّف وغيره قد تعلّقت الإرادة الذاتيّة والعلم بالأصلح بإيجاد العالم في وقت معيّن، وبعد تعلقّها فيه يمتنع التخلّف. وهذا أيضاً ممّا يؤكد ما ذكرنا من التشنيع على الحكماء، فتدبّر.
[١] لاحظ لمزيد الاطلاع: الهيّات الشّفاء: ١ / ١٧٢ ـ ١٧٣ ; والتعليقات: ١٥ ـ ١٦ ; وشرح المواقف: ٨ / ٤٩ ـ ٥١ ; والمطالب العالية للعلم الإلهي: ٣ / ٧٧ ـ ٨١ ; وشرح الإشارات والتنبيهات: ٣ / ١٣٢ ـ ١٣٤ ; وحاشية الخفريّة على إلهيّات شرح التجريد: ١٠٠ ـ ١٠٢ .