شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢٠٨ - كلام ابن رشد في علمه تعالى بجميع الموجوادت
لكنّ الحقّ في ذلك أنّه ليس تعدّد المعلومات في العلم الأزليّ كتعدّدها في العلم الإنسانيّ،[١] وذلك أنّه تعدّد ليس شأن العقل منّا إدراكَه[٢]، ولذلك أصدق ما قال القوم: إنّ للعقول حدّاً تقف عنده ولا تتعدّاه وهو العجز عن التكييف الّذي في ذلك العلم .
وإنّما امتنع عندنا إدراك ما لا نهاية له بالفعل; لأنّ المعلومات عندنا منفصلة بعضُها عن بعض، فأمّا إن وُجد هاهنا علم تتّحد فيه المعلومات، فالمتناهية وغير المتناهية في حقّه سواء.
هذا كلّه ممّا يزعم القوم أنّه ممّا قام البرهان عليه عندهم، وإذا لم نفهم نحن من الكثرة في العلم إلاّ هذه الكثرةَ وهي منتفية عنه، فعلمه واحد، لكن تكيّف هذا المعنى وتصوّره بالحقيقة ممتنع على العقل الإنسانيّ; لأنّه لو أدرك الإنسان هذا المعنى، لكان عقله هو عقل الباري تعالى، وذلك مستحيل.
ولمّا كان العلم بالشخص عندنا هو العلم بالفعل، علمنا أنّ علمه هو أشبه بالعلم الشخصيّ منه بالعلم الكلّي وإن كان لا كليّاً ولا شخصيّاً.
[١] وذلك أنّه يلحقها في العلم الإنساني تعدد من وجهين: أحدهما من جهة الخيالات، وهذا يشبه التعدّد المكاني، والتعدّد الثّاني، تعدّدها في أنفسها في العقل منّا; أعني: التعدّد الّذي يلحق الجنس الأوّل، كأنّك قلت: الموجود بانقسامه إلى جميع الأنواع الداخلة تحته، فإنّ العقل منّا هو واحد من جهة الأمر الكلّي المحيط بجميع الأنواع الموجودة في العالم، وهو يتعدّد بتعدُّد الأنواع. وهو تبين أنّه إذا نزهنا العلم الأزلي عن معنى الكلّي أنّه يرتفع هذا التعدّد ويبقى هنالك تعدّد الخ .
[٢] إلاّ لو كان العلم منّا هو هو بعينه ذلك العلم الأزلي وذلك مستحيل.