شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢١١ - كلام ابن رشد في علمه تعالى بجميع الموجوادت
أبدان كثير من الحيوانات الّتي تلك الأشياء سموم لها، فإنّ السموم إنّما هي أُمور مضافة ; فإنّه قد يكون سمّاً في حقّ حيوان شيءٌ هو غذاء في حقّ حيوان آخر، فهكذا الأمر في الآراء مع الإنسان» [١].[٢]
ثمّ قال: «ولكن إذا تعدّى الشرير الجاهل فسقى السمَّ مَن هو في حقّه سمّ على أنّه غذاء، فقد ينبغي على الطبيب أن يجتهد بضاعة في شفائه، ولذلك استخيرنا نحن التكلّمَ في مثل هذا الكتاب، وإلاّ فما كنّا نرى أنّ ذلك يجوز لنا، بل هو أكبر المعاصي، أو من أكبر الفساد في الأرض، وعقاب المفسدين معلوم بالشريعة. وإذا لم يكن بدّ من الكلام في هذه المسألة، فلنقل في ذلك بحسب ما تبلغه قوّة الكلام في هذا الموضع .
فنقول:
إنّ القوم لمّا نظروا إلى جميع المدركات، وجدوا أنّها صنفان:
صنف مدرك بالحواسّ، وهي أجسامٌ قائمة بذواتها، مشار إليها، وأعراض مشار إليها في تلك الأجسام.
وصنفٌ مدرك بالعقل، وهي ماهيّات تلك الأُمور المحسوسة وطبائعها، أعني: الجواهر والأعراض.
فلمّا تميّزت لهم الأُمور المعقولة من الأُمور المحسوسة، وتبيّن لهم أنّ في المحسوسات طبيعتين: إحداهما قوّة، والأُخرى فعل، نظروا أيُّ
[١] أي قد يكون رأي هو سمّ في حق نوع من النّاس وغذاء في حقّ نوع آخر.
[٢] تهافت التّهافت: ٢٠٣ .