شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ١٢٢ - مسلك المتكلمين في إثبات علمه تعالى
مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَواترُ[١] الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ.
فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَواءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالِهاً، وَفِكْرُهُ حَائِراً».هذا.[٢]
فإن قيل [٣]: إن أُريد بالإحكام حسن الصنعة، أو مطابقة المنفعة من جميع الوجوه، فلا نسلّم أنّ المخلوقات كذلك .
أمّا مطابقة المنفعة فلكثرة ما نشاهد في العالم من الآفات.
وأمّا حسن الصنعة فلأنّا لا ندري أنّ تركيب السماوات والكواكب وأبدان الحيوانات على وجه أحسنَ ممّا عليه [٤] الآنَ ممكن، أم لا؟ وإن أُريد من بعض الوجوه، فلا نسلّم دلالته على العلم; فإنّ فعل النائم والساهي، بل الجماد قد يستحسن وينفع من بعض الوجوه، وإن أريد شيء آخَرُ، فلابدّ من بيانه .
قلنا: المراد به حسن الصنعة ومطابقة المنفعة غالباً وعلى سبيل الكثرة دون الندرة، وما نحن بصدده كذلك; إذ لا ريب في أنّ ترتيب السماوات
[١] في المصدر: «ستور».
[٢] نهج البلاغة: الخطبة ١٦٠ .
[٣] تعرّض له صاحب المواقف وشارحه وأجابا عنه. لاحظ: شرح المواقف: ٨ / ٦٥ ـ ٦٦ .
[٤] في د: «ممّا هي عليه».