شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢١٠ - كلام ابن رشد في علمه تعالى بجميع الموجوادت
فإنّه لا تنتهي أفهام الجمهور الى مثل هذه الدقائق، وإذا خِيض معهم في هذا بطل معنى الإلهيّة عندهم ; فلذلك كان الخوض في هذا العلم محرَّماً عليهم ; إذ كان الكافي[١] في سعادتهم أن يفهموا من ذلك ما أطاقته[٢] أفهامهم، ولذلك لم يقتصر الشرع ـ الّذي قصده الأوّل تعليم الجمهور في تفهيم هذه الأشياء في الباري تعالى ـ بوجودها في الإنسان كما قال سبحانه و تعالى: ((لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَ لاَ يُغْني عَنْكَ شَيْئاً))[٣]، بل واضطرّ إلى تفهيم معاني في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانيّة مثل قوله تعالى: ((أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ))[٤] وقوله: ((خَلَقْتُ بِيَدَيَّ))[٥]فهذه المسألة هي خاصّة بالعلماء الرّاسخين الّذين أطلعهم الله على الحقائق.
ولذلك لا يجب أن تُثْبَت في كتاب إلاّ في الموضوعة على الطريق البرهانيّ، وهي الّتي من شأنها أن تُقرأ على ترتيب، وبعد تحصيل آخرَ[٦] يضيق على أكثر النّاس النظرٌ فيها على النحو البرهانيّ إذا كان ذا فطرة فائقة مع قلّة وجود تلك الفطرة في النّاس .
فالكلام في هذه الأشياء مع الجمهور هو بمنزلة مَن يسقي السمومَ
[١] في المصدر: «المكافيء».
[٢] في المصدر: «ما أطلقته».
[٣] مريم: ٤٢ .
[٤] يس: ٧١ .
[٥] ص: ٧٥ .
[٦] في المصدر: «علوم آخر».