شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢٠٦ - كلام ابن رشد في علمه تعالى بجميع الموجوادت
وإذا فهمت هذا مذهب القوم فهمتَ أنّ معرفة الأشياء بعلم كلّيّ هو علم ناقص; لأنّه علم لها بالقوّة، وأنّ العقل المفارق لا يعقل إلاّ ذاتَه، وأنّه يعقل ذاته يعقل جميع الموجودات ; إذ كان عقله ليس شيئاً أكثرَ من النظام والترتيب الّذي في جميع الموجودات، فإذا نزلتَ أنّ العقل الّذي هناك شبيه بعقل الإنسان، لحقت تلك الشكوكُ المذكورة ; فإنّ العقل الّذي فينا هو الّذي يلحقه التعدّد والكثرة، وأمّا ذلك العقل فلا يلحقه شيء من ذلك، وذلك أنّه بريء عن الكثرة اللاّحقة لهذه المعقولات، وليس يُتصوّر فيه مغايرة بين المدرك والمدرك، وأمّا العقل الّذي فينا فإدراكه ذاتَ الشيء غير إدراكه أنّه مبدأ للشيء، وكذلك إدراكه غيرَه غيرُ إدراكه ذاته بوجه مّا. ولكن فيه شبه من ذلك العقل، وذلك العقل هو الّذي أفاده ذلك الشبه .
بيان ذلك: أنّ العقل إنّما صار هو المعقول من جهة ما هو معقول; لأنّ هاهنا عقلاً هو المعقول من جميع الجهات، وذلك أنّ كلّ ما وُجدت فيه صفةٌ ناقصة فهي موجودة له من قِبَل موجود فيه تلك الصفةُ كاملةً.
مثال ذلك: أنّ ما وُجدت فيه حرارة ناقصةً فهي موجودة له من قِبَل شيء هو حارّ بحرارة كاملة، وكذلك ما وُجد حيّاً بحياة ناقصة فهي موجودة له من قبل حيّ بحياة كاملة، فكذلك ما وجد عاقلاً بعقل ناقص فهو موجود له من قِبَل شيء هو عاقل بعقل كامل، وكذلك كلّ ما وجد له فعل عقلي كاملٌ فهو موجود له من قِبَل عقل كامل، فإن كانت جميع أفعال الموجودات