شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٦٢ - الأمر الثّاني في بيان أنّ الممكن في ترجيحه يحتاج إلى علّة
الذّات يستلزم امتناع العدم بالنظر إليها، وهو يستلزم وجوب الوجود، هذا خلف مع أنّه المطلوب.
وجه ثالث: وهو أنّ ذلك الممكن المفروض وجوده بمجرّد الرّجحان إن كان علّة لوجود نفسه لزم تقدّمه على نفسه، وإن لم يكن علّة لنفسه كان موجوداً بلا سبب، وهوجايز العدم لإمكانه، فيلزم جواز انعدام الموجود من غير سبب يقتضيه .
كما قال الفارابي: «لو حصل سلسلة الوجود بلا وجوب ويكون مبدأها ممكناً حاصلاً بنفسه، لزم إمّا إيجاد الشيء بنفسه وذلك فاحش، وإمّا صحّة عدمه لنفسه وهذا أفحش»[١].
وتحقيقه على ما قيل :إنّه على تقدير وجوده بالرّجحان يكون متّصفاً بالوجود ولا يكون عينه فيكون الذّات منشأ رجحان الاتّصاف ولا معنى للعلّة إلاّ ما يترجّح المعلول به، فيكون علّة للاتّصاف نفسه بالوجود. ولمّا فرض عدم بلوغه حدّ الوجوب يجوز عدمه مع بقاء الرّجحان، وإلاّ لكان بالغاً حدّ الوجوب، وقد فرض عدم بلوغه إليه هذا خلف.
[١] على ما نقله صدر المتألهين. لاحظ : الأسفار:٦ / ٣٧. قال صدرالمتألهين في توضيح عبارة الفارابي: ومعناه أنّ هذا الممكن إن أفاد وجوب الوجود وامتناع العدم لزم كون الشّيء علّة لنفسه، مقتضياً له، وهوباطل لاستلزامه تقدّم الشّيء على نفسه، وإن لم يفد الوجوب ولم يمنع العدم، فيلزم صحة عدمه بنفسه، وهو أفحش بطلاناً، وذلك لأنَّ المحذور الأوّل لازم هنا أيضاً من كون الشّيء سبباً لنفسه بأيّ وجه كان، مع محذور آخر وهو أنّه إذا صحّ له ورود العدم بعد الوجود، فكيف صار موجوداً ابتداء حيث إنّ عروض العدم له ابتداءً أولى من عروضه بعد الوجود، فكان وجوده ـ بلا سبب موجب له ـ ممتنع الحصول .