شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ١٣١ - توضيح بيان الحكماء في حكمته تعالى
وبالجملة فهذا السؤال ممّا يؤكّد أحكام أفعاله تعالى وإتقانَها، وتحقُّقَوجه الاستدلال بهما على كمال علمه وتدبيره وعنايته تعالى بالمخلوقات، كما لا يخفى.
وأمّا إيراد هذا السؤال على سبيل المنع على الكبرى، فخارج عن القانون ; لادّعائه الضرورة فيها كما مرّ. وإذا ثبت علمه تعالى بأفعاله، دلّ على علمه بذاته أيضاً; لأنّ كلّ من علم شيئاً يمكن [١] أن يعلم أنّه يعلمه، وهذا ضروري، وكلّ ما هو ممكن في حقّه تعالى فهو واجب له ; لبراءته عن القوّة والإمكان الخاصّ، فهو يعلم ذاته بالفعل دائماً، وهو المطلوب.
قال الشيخ في "الإشارات": «إنّك تعلم أنّ كلّ شيء يَعقل شيئاً فإنّه يَعقل بالقوّة القريبة من الفعل أنّه يعقله، وذلك عَقْل منه لذاته; فكلّ ما يعقل شيئاً فله أن يَعقل ذاته »[٢].
واعترض عليه الإمام: «بأنّ العقول المفارقة ليس فيها شيء بالقوّة، فهي إنّما تعقل بالفعل، فكان الواجب أن يقول: فإنّه يمكن أن يعقله بالإمكان العام.
وأجاب عنه المصنّف: بأنّ الإمكان العامّ يقع على الإمكانات البعيدة حتّى على دائم العدم من غير ضرورة، ولذلك لم يعبّر به الشيخ عن المقصود في هذا الموضع، وعبّر بالقوّة القريبة الّتي هي العقل بالفعل، وهو الّذي يقتضي أن يكون للعاقل أن يلاحظ معقوله متى شاء.
[١] في د: «فله».
[٢] الإشارات والتنبيهات: ٢٥٠.