شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢١٦ - المبحث الأوّل في اعتراض الرّازي على ما ذهب إليه الحكماء والجواب عنه
والمعاد": «بأنّ معقولية الشيء عبارة عن وجوده لشيء له فعليّة الوجود والاستقلال، أي كونُه غيرَ قائم بشيء آخَرَ، فالجوهر المفارق لمّا كان بحسب الوجود العينيّ غيرَ موجود لشيء آخَرَ بل موجوداً لذاته، كان معقولاً لذاته، وإذا حصلت ماهيّته في عقل آخَرَ، صارت بهذا الاعتبار موجوداً[١] لشيء آخَرَ وجوداً ذهنيّاً لا لذاته، فلا جرم صارت معقولةً لذلك الشيء الآخر لا لذاته. وإذا لم تكن ذاته بهذا الاعتبار ـ أي باعتبار وجودها في ذلك العاقل ـ عاقلةً لذاتها، فكيف يعقلها ذلك العاقل عاقلةً لذاتها بهذا الاعتبار؟!
ومحصّل القول: إنّ عالميّة الجواهر المجرّدة لذاتها عينُ وجودها[٢] لا عين ماهيّتها [٣]. فلا يلزم من ذلك أنّ مَن عَقَل ماهيّتها عقلها عاقلةً لذواتها، إلاّ في ما يكون وجوده عينَ ماهيّته كالواجب تعالى. لكن لمّا استحال ارتسام حقيقته تعالى في ذهن من الأذهان بالكنه، [٤] لا يلزم من تعقّلنا له بوجه تعقّلنا أنّه عقل ذاته، [٥] بل نحتاج إلى استيناف بيان وبرهان»[٦].
واعترض بعضهم أيضاً: بأنّا نعلم بالضرورة أنّ كون الشيء عالماً تنكشف له المعلومات حالٌ خارجيّ مغاير لنفس حقيقة الأشياء، فلا يكون نفس حقيقة العالم وحدَها مصداقاً لصدق العالم في علم الشيء بنفسه; فإنّ
[١] أي عين وجودها الحاصل له في الخارج.
[٢] في المصدر: «موجودة».
[٣] في المصدر: «لا عين ماهيّتها في نفسها ولا عين وجودها في شيء آخر».
[٤] في المصدر: «بالكليّة، بل بوجه من الوجوه ككونه واجب الوجود بحسب المفهوم العامّ».
[٥] في د جملة: «عقله لذاته» بدل لقوله: «أنّه عقل ذاته».
[٦] المبدأ والمعاد: ١٨٦ ـ ١٨٧ .